الثاني : قوله - تعالى - : (
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )
« 1 »
*
.
وتقريب الاستدلال بها : أنّ الآية إمّا خطاب إلى الأولياء ، كقوله تعالى :
(
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ )
« 2 » . فالخطاب فيها متوجّه إلى الوصيّ والحاكم وأمينه ولعلّ إلى الجدّ لولا انصرافها عنه ؛ لأنّها في مورد اليتيم .
وإمّا خطاب لجميع المكلّفين ، كما يشهد له سياق الآيات المتقدّمة عليها والمتأخّرة عنها .
وعلى كلا التقديرين تكون الآية بلحاظ الاستثناء دليلًا على جواز التصرّف المقرون بمصلحة الصغير ، فتدلّ على جواز قرب ماله بالتي هي أحسن لكلّ أحدٍ من الناس ، والقدر المتيقّن منه الفقهاء فيجوز لهم قطعاً ، وكذلك يجوز قرب غيرهم مع إذن الفقيه ، وأمّا بدون إذنه فجواز قرب مال اليتيم لا يستفاد من الآية « 3 » ؛ لجواز أن يكون الأحسن كونه مع إذن الفقيه الذي بيده مجاري الأمور ، وهو المرجع في الحوادث والحجّة والحاكم والقاضي من جانب الإمام ، وأمين الرسول ، وكافل الأيتام ، وأعلم بوجوه التصرّف ، بل يظهر منه عدم جواز قرب الغير بدون إذنه ، كما صرّح بذلك الفاضل النراقي رحمه الله « 4 »
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 152 ؛ سورة الإسراء 17 : 24 .
( 2 ) سورة النساء 4 : 6 .
( 3 ) الحقّ أنّ الآية الشريفة لا تدلّ على من له الولاية على التصرّف ، وبعبارة أخرى : لا تعيّن الأولياء ، بل تدلّ على أنّ من له الولاية الثابتة بدليل آخر لا يجوز له التصرّف إلّا بالّتي هي أحسن ، أو تدلّ على أنّ جميع المكلّفين إذا أرادوا التصرّف ولو من جهة اشتراء مال اليتيم لا يجوز إلّا بالأحسن ، فالمشتري لمال اليتيم مخاطب أيضاً مع أنّه ليس وليّاً ، وبناءً على ذلك لا تدلّ الآية الشريفة على أنّ الفقيه له التصرّف في مال اليتيم ولاية . نعم لا تدلّ على الحكم التكليفي فقط كما ذهب إليه السيّد الخوئي ، بل تدلّ على عدم جواز التصرّف تكليفاً ووضعاً إلّا بالّتي هي أحسن ، فالآية لا تدلّ على الولاية ، بل تدلّ على التصرّفات بالنحو الّذي ذكر . م ج ف .
( 4 ) عوائد الأيّام : 555 مع تصرّف .