ولو غلب عنده الهلاك لم يجز الفرار ، وقيل : يجوز لقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
( 30 ) ، والأول أظهر ، لقوله تعالى :
إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا
( 31 ) .
وإن كان المسلمون أقل من ذلك ( 32 ) لم يجب الثبات . ولو غلب على الظن السلامة استحب . وان غلب العطب ، قيل : يجب الانصراف ( 33 ) ، وقيل : يستحب ، وهو أشبه .
ولو انفرد اثنان ، بواحد من المسلمين ، لم يجب الثبات ( 34 ) ، وقيل : يجب ، وهو المروي .
ويجوز محاربة العدو بالحصار . . ومنع السابلة ، دخولا وخروجا . . وبالمناجيق ، وهدم الحصون والبيوت . . وكل ما يرجى به الفتح ( 35 ) .
ويكره : قطع الأشجار . . ورمي النار . . وتسليط المياه ( 36 ) الّا مع الضرورة .
ويحرم : بالقاء السم ، وقيل : يكره ، وهو أشبه فإن لم يمكن الفتح الّا به ، جاز ( 37 ) .
ولو تترسوا بالنساء أو الصبيان منهم ( 38 ) كفّ عنهم ، الّا في حال التحام الحرب . وكذا
شرح
ضيق المعركة لا يقدر من الحرب ، فيرجع ثم يهجم من حيث السعة ( موارد المياه ) كيلا يغلبه العطش فيمنعه عن القتال ( استدبار الشمس ) بأن كانت الشمس في وجه المسلم ، فيفر ، ليكر من جانب تقع الشمس من خلفه ، ليبصر أمامه أحسن ( لامته ) أي : وسائل حربه ، كما لو انفتح درعه ، فيفر ليشده ، ثم يرجع ( لمتحيز إلى فئة ) كما لو حوصر ، فيفر لينضم إلى جماعة يقوى بهم ، ويقويهم .
( 30 ) سورة البقرة / آية ( 196 ) ، وهذا من غرائب الفتاوى ، وغرائب الاستدلال ، وإن نسب إلى مثل العلامة قدّس سرّه إذ - مضافا إلى أن الآية دالّة بقرينة السياق على أن ترك القتال مهلكة ، لقوله تعالى :وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِوَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَأن آيات الجهاد حاكمة ، بل واردة عليها ، لأنها شرعت في موردها ، وهذا مثل ما لو استدل على تقيد الخمس والزكاة بعدم الضرر المالي ، لعموم قوله صلّى اللّه عليه وآله : ( لا ضرر ولا ضرار ) .
( 31 ) سورة الأنفال / آية ( 46 ) .
( 32 ) أي : أقل من نصف العدو ، بأن كان العدو ثلاثة آلاف ، والمسلمون ألفا .
( 33 ) وإعداد العدة لتكثير المسلمين .
( 34 ) لأن الحكم في مجموع العدو ومجموع المسلمين ، لا يستلزم الحكم في الافراد أيضا .
( 35 ) ( السابلة ) أي : المارة ، ( المجانيق ) جمع ( المنجنيق ) وهي آلة حربية قديمة توضع فيها الأحجار الكبار ، فترمى لهدم بيوت الكفار ، ( وكل ما يرجى ) في الجواهر : ( من التفنك ، والقنابل ، والاطواب والبارود ، ورمي الحيات القاتلة والعقارب وغيرها من الحيوانات ) ومثل ذلك كل الأسلحة الجوية ، والبرية والبحرية ، الّا ما يستثنى .
( 36 ) ليغرق العدو ( مع الضرورة ) وهي توقف الفتح على ذلك .
( 37 ) ( القاء السم ) أي : في الماء ، أو نفث السم في الهواء ، فيتمرضوا أو يموتوا ( جاز ) أي : ارتفعت الحرمة ، فيكون واجبا .
( 38 ) يعني : لو أتى الكفار بصبيانهم ونسائهم وجعلوهم أمامهم ( كف عنهم ) أي : ترك قتالهم .