قال : « ويعقد قلبه بمعناها . . . ولو تعذّر إفهامه جميع معانيها افهم البعض ، وحرّك لسانه ، وامر بتحريك اللسان بقدر الباقي تقريباً وإن لم يفهم معناه مفصّلًا ، وهذه لم أرَ فيها نصّاً » ( « 1 » ) .
وخالف فيه أكثر الفقهاء بعده ؛ لعدم اشتراط قصد المعاني حتّى في غير الأخرس فضلًا عنه ، ومن هنا حمله بعضهم على إرادة قصد أجزاء العبادة والقراءة ، فلا يكفي قصد مطلق القراءة ( « 2 » ) .
. . . . . .
-
ولكن ذهب المحقّق النجفي إلى إرادة المعنى الذي يمكن تفهيمه بالإشارة - كما قال الشهيد الأوّل قدس سره - ودليله على ذلك أنّ الإشارة التي جعلت بديلًا عن اللفظ في
هامش
( 1 ) الذكرى 3 : 313 .
( 2 ) قال الشهيد الثاني قدس سره ( الروض 2 : 698 ) : « والأخرس يحرّك لسانه بها [ / القراءة ] مهما أمكن ، ويشير بإصبعه كما مرّ في التكبير ، ويعقد قلبه بها بأن ينوي كونها حركة قراءة ، وهو المراد من قولهم : يعقد قلبه بمعناها كما تقدّم في التكبير ؛ إذ لا يجب على غير الأخرس تعلّم معنى الحمد والسورة فضلًا عنه . وفي الذكرى أنّه لو تعذّر . . . ومقتضى كلامه وجوب فهم معاني القراءة مفصّلًا ، وهو مشكل ؛ إذ لا يعلم به قائل ، ولا يدلّ عليه دليل في غير الأخرس فضلًا عنه ، بل الأولى تفسير عقد القلب بما قلناه ، وكذا ]Yالقول في جميع أذكاره .
ويمكن أن يريد بفهم المعاني فهم ما يحصل به التمييز بين ألفاظ الفاتحة ليتحقّق القصد إلى أجزائها جزءاً جزءاً مع الإمكان ، فلا يكفي قصد مطلق القراءة للقادر على فهم ما به يتحقّق القصد إلى الأجزاء ، وهو حسن » .
وقال المحقّق السبزواري ( الذخيرة : 273 ) : « والأخرس يحرّك لسانه ويعقد قلبه بها . . . والظاهر أنّ المراد بعقد القلب قصد كونه قراءة ، ويحتمل أن يكون المراد إحضار الألفاظ على ترتيبها في الذهن . ويفهم من الذكرى أنّ المراد به فهم المعاني ، وهو بعيد ؛ إذ لا دليل على وجوب ذلك على الأخرس وغيره » .
وقال الفاضل الاصفهاني ( كشف اللثام 4 : 25 - 26 ) : « والأخرس الذي يعرف القرآن أو الذكر ، أو يسمع إذا اسمع ، أو يعرف معاني أشكال الحروف إذا نظر إليها ، يحرّك لسانه - كما في المبسوط - بها أي بالقراءة في لهواته ؛ لأنّ على غيره التحريك والصوت ، ولا يسقط الميسور بالمعسور ، ويعقد قلبه بها - كما في كتب المحقّق - أي على ألفاظ ما يعرفه أو يسمعه من القرآن أو الذكر ، قال : لأنّ القراءة معتبرة ، فمع تعذّرها لا يكون تحريك اللسان بدلًا إلّا مع النيّة .
قلت : هذا - كما مرّ - من إجراء الأفعال على القلب في الإيماء للركوع والسجود والرفع منهما .
ولعلّ الشيخ إنّما أهمله لأنّ التحريك بالقراءة يتضمّنه .
وما في كتب الشهيد من عقد القلب بالمعنى مسامحة يراد به العقد بالألفاظ .
على أنّه إنّما ذكر معنى القراءة ، وقد يقال : إنّ معناها الألفاظ .
وإن أراد معانيها فقد يكون اعتبارها ؛ لأنّها لا تنفكّ عن ذهن من يعقد قلبه بالألفاظ إذا عرف معانيها ، أو لأنّ الأصل هو المعنى ، وإنّما سقط اعتباره عن الناطق بلفظه رخصة ، فإذا فقد اللفظ وجب العقد بالمعنى . . . وأمّا الأخرس الذي لا يعرف ولا يسمع فلا يمكنه عقد القلب على الألفاظ . نعم ، إن كان يعرف أنّ في الوجود ألفاظاً ، وأنّ المصلّي يأتي بألفاظ أو قرآن أمكنه العقد بما يلفظه أو يقرأه المصلّي جملة » .
وقال أيضاً ( كشف اللثام 3 : 420 - 421 ) : « والأخرس الذي سمع التكبيرة وأتقن ألفاظها ولا يقدر على التلفّظ بها أصلًا ، ومن بحكمه من يمنعه من النطق [ مانع ] غير الأخرس يعقد قلبه بمعناها أي بإرادتها وقصدها ، لا المعنى الذي لها ؛ إذ لا يجب إخطاره بالبال . وأمّا قصد اللفظ فلا بدّ منه مع الإشارة وتحريك اللسان والشفة واللهاة . . . » .
وقال السيد الطباطبائي ( الرياض 3 : 359 ) : « والأخرس الذي سمع التكبيرة ، وأتقن ألفاظها ، ولا يقدر على التلفّظ بها أصلًا ، وكذا من بحكمه كالعاجز عن النطق لعارض ينطق بالممكن منها ، ويعقد قلبه بها أي بالتكبيرة ولفظها ؛ لأنّها ثناء عليه تعالى ، لا معناها المطابقي ؛ إذ لا يجب إخطاره بالبال . وأمّا قصد اللفظ فلا بدّ منه مع الإشارة ، بلا خلاف في اعتبارها وإن اختلف في اعتبار ما زاد عليها من عقد القلب خاصّة أيضاً كما هنا وفي الشرائع والإرشاد وعن النهاية . . . » .