في متعلّق الحكم ، كالقراءة والذكر في الصلاة ، والتلبية في الحجّ - فمع العجز عن التلفّظ - يقوم تحريك اللسان مقامه مضافاً إلى الإشارة ، على ما سيأتي مزيد توضيح له .
وأمّا ما اخذ ليكون أداة للتعبير عن المعاني وسبيلًا لتفهيم المقاصد والأغراض كاللفظ المستعمل في المعاملات المختلفة من بيع وإجارة ونحوهما ، فتستوي فيه كلّ وسيلة تؤدّي الغرض المذكور كالإشارة المفهمة مثلًا . وحينئذٍ لا حاجة إلى تحريك اللسان ؛ لأنّه إنّما يجب مراعاةً لموضوعيّة اللفظ ، فمع انتفائها لا وجه لإيجابه .
وقد يقال : بأنّ لازم ذلك كفاية الإشارة المفهمة في ذلك وإن صدرت من القادر على النطق ؛ إذ المفروض أنّ اللفظ مأخوذ على سبيل الطريقيّة في هذه الموارد ، لا على سبيل الموضوعيّة ، والإشارة طريق يحصل به الغرض المقصود . مع أنّ بناء الفقهاء على عدم اعتبارهم الإشارة منه .
والجواب : ما تقدّم من أنّ درجة من وضوح الدلالة وعرفيّتها وتعارفها قد تكون مأخوذة بنحو الموضوعيّة في ترتّب الأثر ، وهي في حقّ القادر على النطق تكون باللفظ والعبارة ، بخلاف من لا يتمكّن منه فإنّها تكون منه بالإشارة ( « 1 » ) .
هامش
( 1 ) قال السيد المراغي ( العناوين 2 : 136 - 138 ) : « هل يشترط في الأخرس لوك اللسان في جميع المقامات أم لا ؟ ظاهر النصّ الوارد في كتاب الصلاة في القراءة اعتباره ، ويدلّ عليه أيضاً قاعدة الميسور ؛ فإنّ اللازم على الأخرس تحريك اللسان والتكلّم بالألفاظ الخاصّة ، فإذا سقط الثاني للتعذّر ، فيبقى الأوّل بحاله ، ولا يفترق الحال بين التكاليف والوضعيّات في ذلك . ويجيء احتمال عدم القول بالفرق بين الصلاة وغيرها ، مضافاً إلى أنّ الأصل عدم تحقّق الأثر إلّا بسبب متيقّن ، والإشارة مع لوك اللسان متيقّنة في التأثير دون ما عداها فيبقى في حكم الأصل . ويمكن أن يقال : إنّ ظاهر الفتوى في العقود والإيقاعات كون إشارته كالقول ، ولم يشترطوا لوك اللسان ، وقاعدة الميسور إنّما تأتي في المركّبات الخارجيّة دون العقليّة ، وما نحن فيه من الثانية دون الأولى ، وعدم القول بالفرق ممنوع ؛ إذ ظاهر إطلاق الأصحاب عدم اشتراطه في الأسباب وإن اشترطوه في الصلاة للنصّ . والذي يقوى في النظر : أنّ إشارة الأخرس نازلة منزلة الكلام ، ولا عبرة بلوك اللسان أصلًا . نعم ، قام الدليل عليه في الصلاة ، وهو ليس من أجزاء الإشارة ، ولا من مقوّماتها ، بل هو تكليف آخر . نعم ، لو كان المعتاد في الإشارة لوك اللسان بحيث انّ الأخرس إذا أراد تفهيم معنى يلوك لسانه بحيث انّه لولاه لا يعتمد أنّه أراد هذا المعنى فلا بدّ من تحقّقه ، بخلاف ما لو لم يكن له مدخليّة . وربّما تبنى المسألة على أنّ إشارة الأخرس هل هي إشارة إلى الألفاظ أو إلى نفس المعنى ؟ ]Yفعلى الأوّل يعتبر لوك اللسان ؛ إذ غاية ما قام الدليل عليه هو قيام الإشارة مقام دلالة الصوت وتقطيع الحروف ، وأمّا قيامها مقام حركات اللسان فلا . وعلى الثاني لا يعتبر ؛ لأنّ السبب إنّما هو المعنى وقد اعتبر اللفظ للكشف عنه . والإشارة في الأخرس كاشفة عن ذلك ، فلا ربط لتحريك اللسان ؛ لأنّه مقدّمة للّفظ ، وحيث لا لفظ فلا وجه للتحريك ، وذلك نظير تحريك الرجلين في السفينة لمن نذر المشي في الطريق ، مع أنّه لو لزم ذلك للزم إظهار الصوت أيضاً ؛ لأنّه أيضاً لا بدل له وهو مقدور . ومن هنا يمكن أن يقال بالفرق بين العبادات والمعاملات ؛ إذ العبرة في العبادات بنفس الألفاظ تعبّداً ؛ إذ لا ريب في عدمِ جوازِ إفادةِ ذلك المعنى بلفظٍ آخر . وبالجملة : لخصوصيّة الألفاظ فيها مدخليّة وإن كان المعنى أيضاً مطلوباً في الجملة ، أو كاللفظ في بعض المقامات . وأمّا المعاملات فالعبرة فيها بالمعاني ؛ ولذلك لا يصحّ مع عدم العلم بمعنى اللفظ ، أو مع عدم قصد الإنشاء ونحو ذلك ، والألفاظ قد اعتبرت فيها للكشف . فاللازم على الأخرس لوك اللسان في العبادة مع الإشارة لئلّا يصير أجنبيّاً عن عالم اللفظ بالمرّة . وأمّا المعاملات فيكفي فيها الإشارة الدالّة على المدّعى ؛ لأنّ كشف الإشارة قائم مقام كشف اللفظ . ولا خصوصيّة للوك اللسان . وهذا الوجه عندي غير بعيد » .