أ - يعتبر في الإشارة أن تكون مفهمة :
الاكتفاء بإشارة الأخرس يختصّ بما إذا كانت مفهمة مستبينة للمقصود ، وأمّا إذا لم تكن له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة فلا يكتفى بما يفعل ويصدر منه ؛ لعدم إمكان إحراز قصده ، بل لعدم تحقّق الإبراز العرفي المعتبر في صحّة العقود والإيقاعات .
قال الشيخ الطوسي : « الأخرس على ضربين : أحدهما : أن لا يكون له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة . والثاني : الذي له إشارة معقولة أو كناية مفهومة ، فإذا لم يكن له إشارة معقولة ولا كناية مفهومة فلا يصحّ قذفه ولا لعانه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا شيء من عقوده ؛ لأنّه لا يفهم ما يريده بلا خلاف ، وأمّا الأخرس الذي له إشارة معقولة أو كناية مفهومة فإنّه بمنزلة الناطق في سائر الأحكام ، فيصحّ قذفه ولعانه ونكاحه وطلاقه وسائر عقوده » ( « 1 » ) .
ومثله قال الآخرون ( « 2 » ) ، ومن هنا قيّد الفقهاء الاكتفاء بإشارة الأخرس بأن تكون إشارته مفهمة للمراد ودالّة على القصد بحسب ما يعلم بحاله ولو من القرائن المحتفّة بها ( « 3 » ) .
هامش
( 1 ) المبسوط 5 : 187 .
( 2 ) انظر : المسالك 10 : 202 . الحدائق 20 : 224 . الرياض 10 : 44 .
( 3 ) قال الشهيد الثاني ( المسالك 7 : 97 ) : « ويعتبر كون الإشارة مفهمة للمراد ودالّة على القصد القلبي بحسب ما يعلم من حاله » .
وقال في موضع آخر ( المسالك 9 : 69 ) : « ويعتبر في صحّته [ / الطلاق ] بإشارته أن تكون مفهمة لمن يخالطه ، ويعرف إشارته إن لم يتّفق فهمها على العموم » .
وقال السيد المراغي ( العناوين 2 : 135 - 136 ) : « هل يعتبر في إشارة الأخرس أن تكون على طبق إشارة الأخرسين ، بمعنى أن يكون استعماله الإشارة على نحو ما هو عند سائر أفراد الأخرس كاللفظ بالنسبة إلى سائر المتكلّمين من أهل ذلك اللسان أم لا يعتبر ذلك ؟
وعلى الثاني ، هل يعتبر كون تلك الإشارة معتادة عند نفسه ولو كانت مغايرة لإشارة سائر الأخرسين في هذا المقام - كما لو اخترع الأخرس لنفسه إشارة لكلّ مطلب واعتاد ذلك وإن لم يكن على طبق إشارات الأخرسين - أم لا يعتبر ، بل يكفي مطلق إشارته المفهمة للمراد ظنّاً وإن لم تكن تلك الإشارة معتادة ؟
الظاهر أنّ كون إشارته معتادة لأفراد الأخرس ممّا لا دليل على اعتباره ، وقياسه على الألفاظ لا وجه له ؛ لأنّ مبنى الألفاظ إنّما هو على التعلّم والتعليم ، بخلاف الإشارات ؛ فإنّها إلهاميّة له من اللَّه - سبحانه وتعالى - على حسب ما يخطر بباله من الكيفيّات ، ولا يمكن تطابق أخرسين في ذلك ، فضلًا عن الكلّ ، مع أنّ دلالة الإشارة مطلقة تعمّ المعتاد للكلّ وغيره . ]Yوأمّا مع كونها معتادة عند نفسه فالظاهر اعتباره ، بمعنى أنّه لا يوثق بإفادة المراد [ إلّا ] مع كون إشارته بذلك الوضع معتادة له حتّى يقوم مقام اللفظ . وأمّا غير المعتاد ، فلا عبرة به إلّا مع حصول القطع بالمراد ، لكن في مقامٍ لم يكن للخصوصية مدخليّة كما في الإقرار
والوصيّة ونحو ذلك » .
وقال السيد اليزدي ( حاشية المكاسب 1 : 414 ) : « الظاهر أنّه لا فرق بين أقسام الإشارة ، فلا يعتبر كيفيّة خاصّة ، ولا كونها معتادة لنوع الأخرسين ، ولا للشخص . نعم ، يعتبر كونها مفهمة للمراد ولو بالاحتفاف بالقرائن ، وهل يعتبر كونها مفيدة للقطع أو يكفي الإشارة الظنّية قد يقال بالأوّل والحقّ الثاني . . . نعم ، يعتبر كونها في حدّ نفسها ولو بمعونة القرائن كذلك ، فلو أفادت الظنّ لخصوصيّة في الشخص الفاهم من غير أن تكون في حدّ نفسها كذلك . وبعبارة أخرى : إذا لم تكن مفهمة للمراد بالنسبة إلى نوع المخاطبين أو الحاضرين لا تكون كافية ؛ وذلك لأنّه يعتبر في إنشاء المعاملات أن يكون بما يكون دالّاً في حدّ نفسه ولو بملاحظة القرائن » .
وقال السيد الخوئي ( مصباح الفقاهة 3 : 12 - 13 ) بعد استعراضه الأدلّة الدالّة على حجّية إشارة الأخرس : « إنّ مقتضى القاعدة الأولويّة وفحوى الروايات الخاصّة الواردة في طلاق الأخرس وقراءته هو كفاية إشارته في مقام الإنشاء ما لم يدلّ دليل خاصّ على خلاف ذلك ، من غير فارق بين أقسام الإشارة وكيفيّاتها ، ولا بين ما يكون معتاداً للأخرسين أو للأشخاص الآخرين ، وبين ما لم يكن كذلك . بل الضابطة الكلّية في ذلك : أن تكون الإشارة مفهمة للمراد بالنسبة إلى نوع المخاطبين والحاضرين ولو كان الانفهام بمئونة القرائن كما هو الشأن في الإنشاء اللفظي . بداهة أنّ الأفعال والأقوال سيّان في حجّية ظواهرها من ناحية بناء العقلاء » .