« طلاق الأخرس أن يأخذ مقنعتها ، ويضعها على رأسها ويعتزلها » ( « 1 » ) . ومثلها ما عن أبي بصير ( « 2 » ) أيضاً .
وعن أبان بن عثمان قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن طلاق الخُرس ؟ قال : « يلفّ قناعها على رأسها ويجذبه » ( « 3 » ) .
لكنّ هذه الروايات تعارض رواية البزنطي التي ورد فيها : أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم ؟ قال : « أخرس هو ؟ » قلت : نعم ، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها ، أيجوز أن يطلّق عنه وليّه ؟
قال : « لا ، ولكن يكتب ، ويُشهد على ذلك » ، قلت : أصلحك الله ، فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلّقها ؟ قال : « بالذي يُعرف به من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها » ( « 4 » ) .
ورواية يونس : في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته ، قال : « إذا فعل في قبل الطهر بشهود وفهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطلاق جاز طلاقه على السنّة » ( « 5 » ) .
فإنّهما صريحتان في كفاية كلّ إشارة وكتابة مفهمة تدلّان على الطلاق ، وعدم اختصاص الطلاق بإلقاء المقنعة على رأس الزوجة .
وبهما أفتى مشهور الفقهاء ، حملًا للروايات الأولى على المثال أو على من لم تكن له إشارة مفهمة .
وربّما حاول البعض الجمع بينهما بالتخيير بينهما ، ومردّ هذا الجمع إمّا إلى المشهور باعتبار أنّ إلقاء القناع هو احدى الإشارات المفهمة للمقصود ، أو إلى أنّه طريق تعبّدي لإيقاع الطلاق في مقابل الطريق العرفي الذي يكفي فيه مطلق الإشارة المفهمة ، كما رماها بعض آخر بالشذوذ ( « 6 » ) .
هامش
( 1 ) الوسائل 22 : 48 ، ب 19 من مقدّمات الطلاق ، ح 3 .
( 2 ) المصدر السابق : ح 5 .
( 3 ) المصدر السابق : 47 ، ح 2 .
( 4 ) المصدر السابق : ح 1 .
( 5 ) المصدر السابق : 48 ، ح 4 .
( 6 ) قال الشيخ الطوسي ( النهاية : 511 ) : « ومن لم يتمكّن من الكلام مثل أن يكون أخرس ، فليكتب الطلاق بيده إن كان ممّن يحسنه . فإن لم يُحسن فلْيومِ إلى الطلاق كما يومئ إلى بعض ما يحتاج إليه ، فمتى فهم من إيمائه الطلاق وقع طلاقه . وقد روي : أنّه ينبغي أن يأخذ المقنعة فيضعها على رأسها ويتنحّى عنها ]Yفيكون ذلك منه طلاقاً » .
وقال ابن إدريس الحلّي ( السرائر 2 : 678 ) بعد نقل الرواية : « وهذه الرواية يمكن حملها على من لم تكن له كناية مفهومة ولا إشارة معقولة » .
وقال ابن حمزة الطوسي ( الوسيلة : 323 - 324 ) : « وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء : الكتابة من الأخرس ، ومن الغائب بأربعة شروط : أن يكتب بخطّه ويُشهد عليه ويسلم من الشاهدين ولا يفارقهما حتى يقيما الشهادة ويعلما المطلّقة ، والإيماء من الأخرس على وجه يفهم منه الطلاق ، أو إلقاء المقنعة على رأسها مع التنحّي عنها » .
وقال المحقّق الحلّي ( الشرائع 3 : 18 ) : « ويقع طلاق الأخرس بالإشارة الدالّة . وفي رواية : يلقى عليها القناع فيكون ذلك طلاقاً ، وهي شاذّة » .
وقال ابن سعيد ( الجامع للشرائع : 466 ) : « وطلاق الأخرس بكتابة أو إيماء أو إشارة أو وضع المقنعة على رأسها والتنحّي عنها » .
وقال العلّامة الحلّي ( القواعد 3 : 127 ) : « ولا يقع
[ الطلاق ] بالإشارة إلّا مع العجز عن النطق كالأخرس . وفي رواية : يلقي القناع عليها » .
وقال الشهيد الأوّل ( اللمعة : 193 ) : « وطلاق الأخرس بالإشارة وإلقاء القناع » .
وقال الشهيد الثاني ( الروضة 6 : 13 ) في شرحها : « وطلاق الأخرس بالإشارة المفهمة له وإلقاء القناع على رأسها ؛ ليكون قرينة على وجوب سترها منه ، والموجود في كلام الأصحاب الإشارة خاصّة ، وفي الرواية : إلقاء القناع ، فجمع المصنّف [ / الشهيد الأوّل ] بينهما ، وهو أقوى دلالة . والظاهر أنّ إلقاء القناع من جملة الإشارات ، ويكفي منها ما دلّ على قصده الطلاق كما يقع غيره من العقود والإيقاعات والدعاوى والأقارير » .
وقال المحدّث البحراني ( الحدائق 25 : 216 - 217 ) : « لو تعذّر النطق كفت الكتابة والإشارة من غير خلاف يعرف ، ومنه الأخرس ، فيصحّ طلاقه بذلك كما تصحّ سائر عقوده وأقاريره وعباراته . . . ومن الأخبار الواردة في المقام ما رواه المشايخ الثلاثة عن البزنطي . . . وما رواه في الكافي عن أبان بن عثمان . . . وما رواه الكافي عن يونس . . . . وهذه الأخبار كلّها متّفقة الدلالة على ما ذكره ، ونقل عن الصدوقين وجماعة من الأصحاب أنّهم اعتبروا فيه إلقاء القناع على المرأة يُرى أنّها قد حرمت عليه ؛ لرواية السكوني وأبي بصير ، ومنهم من خيّر بين الإشارة وإلقاء القناع ، ومنهم من جمع بينهما . والتحقيق : الاكتفاء بما يفهم ذلك كائناً ما كان ، وذكر بعض الأفراد في الأخبار إنّما خرج مخرج التمثيل » .