أيضاً ، فعن عبد اللَّه بن عطاء قال : أرسل أبو عبد اللَّه عليه السلام ، وقد اسرج له بغل وحمار ، فقال لي : « هل لك أن تركب معنا إلى مالنا ؟ » قلت : نعم ، قال : « أيّهما أحبُّ إليك ؟ » قلت : الحمار ، فقال : « الحمار أرفقهما لي » ، قال : فركبتُ البغل ، وركب الحمار ، ثمّ سرنا ، فبينما هو يحدّثنا إذ انكبّ على السرج مليّاً ، ثمّ رفع رأسه ، فقلت : ما أرى السرج إلّا وقد ضاق عنك ، فلو تحوّلت على البغل ، فقال : « كلّا ، ولكنّ الحمار اختال ، فصنعتُ كما صنع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ركب حماراً يقال له :
عفير ، فاختال ، فوضع رأسه على القربوس ما شاء اللَّه ، ثمّ رفع رأسه ، فقال : يا ربِّ هذا عمل عفير ليس هو عملي » ( « 1 » ) ، فإنّه يدلّ على كراهية الاختيال إن لم يدلّ على حرمته ووجوب الاستغفار منه .
4 - التبختر في الحرب :
تقدّم في الاختيال حال المشي التعرّض لرواية مشي أبي دجانة متبختراً بين الصفّين ، وما قاله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك حيث نفى بغض اللَّه سبحانه وتعالى هذه المشية في حال الحرب .
وظاهره جواز المشي اختيالًا في الحرب ؛ لخلوّه عن كبر الذات ، والتطاول على المسلمين كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك فيما سبق .
وعدّاه بعض فقهائنا - بمقتضى العلّة - إلى غير المشي .
قال العلّامة الحلّي في تعليل جواز لبس الحرير للرجال حال الحرب : « لأنّ المنع من لبسه لأجل ما فيه من الخيلاء ، وهو غير مذموم في الحرب ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم . . . » ( « 2 » ) ، وساق قوله في أبي دجانة .
ونحوه قوله في التذكرة ( « 3 » ) ، وقول الشهيد في الذكرى ( « 4 » ) .
بل إنّ البعض استفاد منه المدح .
قال الشيخ الطوسي : « قوله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا »
فالمختال : الصلف التيّاه ، والاختيال هو التطاول . وإنّما ذكره اللَّه هاهنا وذمّه ؛ لأنّه أراد بذلك من يختال ، فيأنف من قراباته وجيرانه إذا كانوا فقراء ؛ لكبره وتطاوله . فأمّا الاختيال في الحرب فممدوح ؛ لأنّ في ذلك تطاولًا على العدوّ ، واستخفافاً به » ( « 5 » ) .
وقد يحصل الاختيال من أمور أخرى كعيادة شخص كبير له كما روي عن عليّ عليه السلام حيث عاد صعصعة في مرضه ، فقال له : « لا تجعل عيادتي لك فخراً على قومك ؛ ف
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
» ( « 6 » ) .
وقد يحصل من حلّ مسألة معضلة أو غير ذلك .
هامش
( 1 ) الوسائل 11 : 489 - 490 ، ب 14 من أحكام الدوابّ ، ح 1 .
( 2 ) المنتهى 4 : 223 .
( 3 ) التذكرة 2 : 472 .
( 4 ) الذكرى 3 : 40 .
( 5 ) التبيان 3 : 195 .
( 6 ) مناقب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ( سليمان الكوفي ) 2 : 84 ، ح 569 . وانظر : المستدرك 12 : 90 - 91 ، ب 75 من جهاد النفس ، ح 8 .