أوّلًا : أنّ الرضى ببقاء البئر أو النهي عن طمّها وعدم الرضى به أعمّ من إسقاط ضمان التردّي عن الغاصب ، فلا ملازمة بين الأمرين ؛ لوضوح أنّه قد يحبّ بقاء البئر - بعد أن حفرت - ولا يرضى بطمّها ولكنه مع ذلك غير مستعدّ لابراء الغاصب عن ضمان التردّي الناشئ من الحفر ، ولا يرضى باسقاط هذا الضمان عنه ، فكراهة الطمّ لا تنافي إرادة بقاء الضمان .
ثانياً : أنّ حفر البئر ابتداءً كان تصرّفاً عدوانياً وبدون إذن المالك وأمره ، والتصرّف العدواني سبب شرعاً للضمان ، والرضى المتأخر ببقاء البئر لا يدفع سببيّة ذاك التصرّف العدواني للضمان ما دام لا يمكنه - وهو متأخّر - أن يزيل هذه الصفة - أي العدوانية - عن ذاك التصرّف الماضي ؛ إذ الماضي لا يمكن تغييره عن الصفة التي وقع عليها .
ثالثاً : أنّ الرضا المتأخر ببقاء البئر حتى لو أمكنه أن يزيل صفة العدوانية عن التصرّف الماضي ، لكنه لا يدفع سببيّة ذاك التصرّف للضمان شرعاً ؛ لأنّ الضمان المسبّب عنه غير مشروط بأن يكون التصرّف عدوانياً ، فإنّنا لا نسلّم باشتراط العدوان في ثبوت الضمان هنا ؛ وذلك لإطلاق الأدلّة ( « 1 » ) .
القول الثاني : اقتضاؤه الإبراء والإسقاط ، فيسقط بموجبه ضمان التردّي عن الغاصب وتبرأ ذمّته .
وقد ذهب إليه ابن إدريس والمحقق والعلّامة الحلّي والشهيدان والفاضل الهندي والمحقق الرشتي والسيّد الإمام الخميني .
قال ابن إدريس : « والأولى عندي أنّ صاحب الأرض إذا رضي بعد حفره بالحفر ومنعه من الطمّ فله المنع ، ولا يكون الحافر ضامناً لما يقع فيها ؛ لأنّ صاحب الأرض قد رضي ، فكأنّما أمره بحفرها ابتداءً » ( « 2 » ) .
وقال المحقق الحلّي : « والضمان يسقط عنه برضى المالك باستبقائها » ( « 3 » ) .
وقال العلّامة الحلّي : « ولو حفر بئراً في ملك غيره فرضي المالك سقط الضمان عن الحافر » ( « 4 » ) .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 37 : 206 .
( 2 ) السرائر 2 : 485 .
( 3 ) الشرائع 3 : 248 .
( 4 ) التحرير 5 : 540 .