بذلك ؛ لوضوح أنّ الوجود الأوّلي للبئر السابق على التردّي - مع قطع النظر عن وجودها الثانوي الذي استند إليه التردّي والتلف - ليس عدواناً عرفياً أو شرعياً على المتردّي ، بل العدوان إنّما يتحقق مع بقائها واستمرارها ، فإذا منع المالك عن طمّها استند بقاء البئر إليه لا إلى الغاصب الحافر ؛ لأنّ تأثير العلّة المُبقية في الأثر المترتب على بقاء الشيء واستمراره آكد من تأثير العلّة المحدثة في ذلك الأثر ، فللبئر وجودات موزّعة على أزمنة وجودها ، وتلف المتردّي مسبّب عن وجودها المقارن للتردّي لا عن وجودها السابق على التردّي .
فإن كان وجودها المقارن مستنداً إلى نفس من استند إليه وجودها السابق صحّت نسبة التردّي والتلف إليه ، كما إذا أبقى الغاصب البئر إلى لحظة التردّي من دون أن يكون المالك قد منع عن طمّها أو رضي ببقائها ، فهنا تصحّ نسبة تلف المتردّي إلى الغاصب .
أمّا إذا كان وجودها المقارن للتردّي مستنداً إلى شخص آخر غير من استند إليه وجودها السابق ، فإنّ التردّي والتلف حينئذٍ يُسند إلى ذلك الشخص ، ومن الواضح أنّ المنع عن طمّ البئر يوجب أن تستند وجودات البئر المتأخّرة عن زمان المنع - والتي من جملتها وجودها المقارن للتردّي - إلى المانع .
فإن كان المانع هو المالك كما هو المفروض استند إليه التردّي والتلف ، ويكون كما إذا حفر المالك ابتداءً بئراً في ملكه وأبقاها إلى أن سقط فيها انسان فهلك أو تردّت فيها بهيمة فهلكت .
وإن كان المانع عن الطمّ غير المالك كما إذا منع شخص آخر الغاصب عن طمّ البئر وكان المنع بنحو الإلجاء والإكراه استند إليه التردّي والتلف لا إلى الحافر .
والحاصل : أنّ الرضى ببقاء الحفر على حاله أو المنع عن الطمّ كالاذن في الحفر ابتداءً ، ففي كليهما يرجع أثر الحفر إلى المالك ، فالتحقيق أنّ رضى المالك ببقاء الحفر إلى لحظة التردّي أو منعه عن الطمّ إلى تلك اللحظة يسقط الضمان عن الحافر الغاصب ( « 1 » ) .
هامش
( 1 ) الغصب : 135 - 136 .