والشهيد الثاني وغيرهما - كما يأتي البحث عنه - فحكموا بسقوطه عنه برضى المالك بالبقاء ، أو بالنهي عن الطمّ ، فارغين عن سقوطه عنه بالابراء .
وعلى كل حال فكما لاحظنا يوجد في هذا الفرض وجهان ، بل لعلّه قولان :
القول الأوّل : صحّة الإبراء وسقوط الضمان عن الغاصب به .
ودليله ما تقدّم في كلام الشيخ الطوسي وهو : أنّ أصل هذا الضمان - أي ضمان التردّي والسقوط في البئر - وأساسه هو كون الحفر عدوانياً - أي بدون أمر المالك وإذنه - منذ البداية ، فضمان من يتردّى في البئر وما يسقط فيها إنّما هو فرع لهذا الأصل وناشئ من الحفر العدواني والنقص غير المأذون فيه الذي ورد على مال المالك ، ولذا لا يثبت هذا الضمان في ما إذا كان الحفر منذ البداية بأمر المالك وإذنه ، إذاً فضمان الغاصب للتردّي تابع لثبوت أصله وهو ضمانه للمالك الثابت بالتعدّي والحفر العدواني ، فإذا أبرأه منه المالك سقط فرعه أيضاً ، وكان المالك ضامناً للتردّي .
القول الثاني : عدم الصحّة ، فلا يسقط ضمان التردي عن الغاصب بالابراء .
ودليله :
أوّلًا : أنّه إبراء عمّا لم يجب ولم يثبت بعدُ ؛ إذ لم يتحقق التردّي والسقوط بعدُ ، كما هو المفروض .
وثانياً : أنّه إبراء عمّا لا يستحقه المبرئ ؛ إذ الضمان هنا ليس حقاً للمالك كي يُبرئ الغاصب منه ، بل هو حق للمتردّي والساقط في البئر على من كان سبباً لتردّيه ، فلا معنى لابرائه الغاصب حتى إذا صحّ إبراء ما لم يجب .
وثالثاً : ما تقدّم في كلام العلّامة الحلّي أيضاً من أنّ الضمان هنا وإن كان فرعاً وتابعاً للحفر العدواني والتعدّي الصادر من الغاصب منذ البداية ، فالأصل في هذا الضمان هو التعدّي الماضي ، لكن حيث إنّ هذا التعدّي أمر قد وقع ، والواقع لا يتغيّر ولا ينقلب عمّا وقع عليه ، إذاً فلا يمكن للابراء الآن أن يزيل التعدّي السابق ويغيّر الماضي عن الصفة التي وقع عليها ، بل لا يزال التعدّي ثابتاً ، ولا يزال الحفر العدواني السابق حفراً عدوانياً ، وبتبعه لا يزال
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع ) — صفحة 417
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٤١٧