إنّما الكلام في أنّ الألفاظ المخصوصة شرط اللزوم في العقود اللازمة ، فتصحّ حينئذٍ بغيرها من الأقوال والأفعال على وجهٍ يجري عليه أحكامها عدا اللزوم ، كما أنّه يشترط فيه شرائطها أيضاً ، أو أنّها شرط للصحّة أيضاً ، فلا يقع أصل البيع بدونها ، قيل : ثمّ على الثاني تكون من البيع الفاسد ، فتجري عليه أحكامه ، أو أنّها تفيد إباحة التصرّف في وجوه الانتفاعات ؟ خلاف بين الأصحاب ومعركة عظيمة خيرة الكركي في الجامع وغيره وبعض من تأخّر عنه الأوّل ، بل ربما ظهر منه دعوى الإجماع عليه ، قال : " ولا يقول أحد من الأصحاب بأنّها بيع فاسد سوى المصنّف في النهاية ، وقد رجع عنه في كتبه المتأخّرة عنها . . . وما يوجد في عبارة جمعٍ من متأخّري الأصحاب ، من أنّها تفيد إباحةً وتَلْزم بذهاب أحد العينين ، يريدون به عدم اللزوم في أوّل الأمر ، وبالذهاب يتحقّق اللزوم ، ولامتناع إرادة الإباحة المجرّدة عن أصل الملك " ونحو ذلك كلامه في المحكيّ من تعليقه على الإرشاد ، فنزّل عبارة الأصحاب على أنّها تفيد ملكاً متزلزلًا . وهو وإن كان في غاية الجودة ، إلّا أنّ كافّة الأصحاب على خلافه ، ويصعب تنزيل عباراتهم عليه ، ففي المبسوط : " إنّما هي استباحات وتراضٍ " قيل : ومثله عبارة الخلاف والسرائر ، وفي الغنية : " إنّما هو إباحة للتصرّف " وفي الدروس : " تفيد إباحةً لا غير " . بل في مفتاح الكرامة : إنّ صريح الخلاف والسرائر والمختلف وحواشي الشهيد والقواعد والتنقيح عدم كفاية المعاطاة في المقصود بالبيع وهو الملك ، بل قال : " ظاهر قواعد الشهيد الإجماع على أنّها لا تفيد الملك ، وإنّما تفيد الإباحة " بل قال فيه أيضاً : إنّ صريح الخلاف والمبسوط والسرائر والغنية والجواهر وجامع الشرائع والميسيّة والروضة والمسالك عدم كونها بيعاً حقيقةً وإنّما إباحة . وإن كنّا لم نتحقّق بعض ما حكاه أوّلًا وآخراً .
ويتّجه تحرير المقام بتصوير صورٍ :
أحدها : قصد الإباحة بالأفعال ونحوها مصرّحاً بذلك ، ولو بالقرائن الدالّة على إرادة الإباحة المطلقة ، والتسليط على التصرّف نحو التسليط بالبيع وغيره ممّا يفيد الملك ، بل ربما يذكر لفظ البيع ونحوه مريداً به الدلالة على هذا القسم من الإباحة ، لا أنّ المراد منه الملك والتمليك البيعي مثلًا ، وهذه الصورة تسمّى بالمعاطاة ومفادها إباحة مطلقة للمال ، بعوضٍ كذلك ، والظاهر أنّه لا خلاف في مشروعيّته ، ولو على جهة المعاوضة ، كما لا خلاف في مشروعيّته بدونها .
ثانيها : قصد البيع بذلك على إرادة النقل البيعي من غير تعرّض للّزوم وعدمه ، أو مع قصد عدمه . والمتّجه الفساد فيه بناءً على اشتراط الصيغة فيه ، كما صرّح به الفاضل في النهاية ، نعم قد يناقش في أصل الاشتراط المزبور - إن لم يقم إجماع عليه - بأنّه لا دليل عليه ، بل الدليل من السيرة القطعيّة ، بل في شرح الأستاذ : " والإجماع بقسميه على خلافه ، بل من أدخله في الضروريّات لم يكن مغرباً " وإن كان فيه ما فيه ، مضافاً إلى صحّة الإطلاق وعدم صحّة السلب ، وأصالة عدم النقل وعدم الاشتراك اللفظيّ .
ثالثها : أن يقع الفعل من المتعاطيين من غير قصد البيع ولا تصريح بالإباحة المزبورة ، ولعلّ القائل
معجم فقه الجواهر — صفحة 459
مساهمون: مؤسسة دائرة المعارف الفقه الاسلامي
ص٤٥٩