تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
صرّحت بذلك ألسنة الروايات من دون نظر إلى الاضرار الأخرى التي تلحق بالمجني عليه ؛ فإنّ لها حسابها وحكمها الخاص . فالصحيح : أنّ روايات الدية أجنبية عن نفي ضمان ما تسببه الجناية من الاضرار المادية الأخرى على المجني عليه ومنها نفقة معالجته ، فإذا كان الإضرار موجباً للضمان ثبت الضمان لها زائداً على الدية . بل يمكن أن يقال : بأنّ اللازم على الجاني أولًا الإنفاق لمعالجة المجني عليه والحيلولة دون قطع عضوه أو حصول نقص فيه إن كان ذلك ممكناً فعلًا ، فلا تصل النوبة إلى الدية الكاملة للعضو ، فمسئوليته الأولى إرجاع وصف الصحة في بدن وأعضاء المجني عليه ، فإذا بقي نقص أو شين أو جرح بعد ذلك كان ضامناً لديته أو لأرش نفس ما وقع من الجرح والألم ؛ لأنّه مسؤول وضعاً وتكليفاً عن رفع كلّ ضرر أوقعه عليه إذا كان رفعه ممكناً ؛ بمقتضى أدلّة حرمة الإضرار و « لا ضرر » ، وبمقتضى أدلّة حرمة مال المسلم ودمه وأنّه لا يذهب حقه هدراً ، وبمقتضى سيرة العقلاء أيضاً . ثمّ إنّه إذا لم يمكن إثبات ضمان الجاني لنفقة علاج المجني عليه زائداً على الدية بقاعدة الإضرار بالعنوان الأولي ، فبالإمكان إثبات ذلك مطلقاً أو في موارد خاصة بالعنوان الثانوي وبحكم ولي الأمر ، نظير الغرامات المالية الأخرى التي يجعلها في موارد التخلّفات ، فيجعل لمن يتخلّف فيجنى على شخص ولو خطأً غرامة مالية بقدر نفقة علاجه اللازمة بحسب متطلّبات الزمان يدفعها للدولة ، فتصرفها الدولة في علاج المجني عليه أو تتحمّل علاجه مجّاناً في قبال ما تأخذه من الجاني ، كلّ ذلك بملاك حفظ النظام والصالح العام والتأمين على حياة المجني عليهم وتوفير العلاج اللازم لهم ولسلامتهم ، ولا شك أنّ هذا داخل ضمن نطاق صلاحيات الحاكم الإسلامي ، ومطابق مع المصلحة العامة في مثل أزمنتنا ، بل لعلّ خلافه يعد إجحافاً وظلماً على المجني عليهم بحيث يقطع أو يطمأنّ بأنّ الشارع لا يرضى به .