تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
هذا ، مضافاً إلى أنّ التعبير بقوله تعالى :
« وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
. . . » وقوله تعالى :
« وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ »
كالصريح في الضمان والحكم الوضعي ، وهو ثبوت نفس الرزق والكسوة بالمعروف في ذمته وذمة الوارث ، وثبوت نفس الحق للوالدة في الإرضاع . وأما الدلالة على التعليل فيمكن استفادته من الآيتين نفسيهما ، خصوصاً الأولى منهما حيث ذكر فيها قوله تعالى :
« لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها
. . . » عقيب قوله تعالى :
« لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها
. . . » الواضح كونه مسوقاً للتعليل . هذا مضافاً إلى دلالة بعض الروايات المتعرّضة لتفسير الآية على ذلك . وتوضيح ذلك : أنّ الآية الكريمة ذكرت أولًا أنّ
الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
، وهذه جملة خبرية مستعملة في مقام الإنشاء ، وهو إما الطلب والتكليف عليها بالإرضاع أو الحكم الوضعي بأحقيّتها بذلك ، ثمّ أردفت الآية ذلك بقوله تعالى :
« وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
. . . » ممّا يعني أنّ ذاك الإرضاع ليس مجّاناً منهنّ ، بل في قبال إرضاعهنّ للمولود ، وعلى الوالد نفقتهنّ واجرتهنّ بالمعروف من أجرة المثل أو ما تأخذه مرضعة أخرى ، ثمّ ذكرت الآية بعد ذلك جملتين
« لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها
. . . » و
« لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ »
، والجملة الأولى يمكن أن تكون تعليلًا للتشريع المذكور في الصدر ، وأنّه مطابق مع مصلحة التسهيل على العباد في الشريعة وملاحظة وسعهم واللائق بهم ؛ حيث لم يكلّف كل من الأبوين بما هو خلاف وسعه ، فيراد بالوسع عندئذٍ السهولة واللياقة وعدم الحرج والضيق والضرر ، ويمكن أن تكون بياناً للمعروف وتحديداً له ، وأنّه إنّما يجب على الوالد رزقهنّ وكسوتهنّ بالمقدار الذي يجده في المراضع الأخرى ومع التمكّن والسعة ، لا مع فرض الإعسار وعدم التمكّن ، فيمكن أن يراد بالوسع حينئذٍ القدرة والطاقة . وعلى كلا التقديرين تكون الجملة ظاهرة في التعليل وبيان الملاك .