وأما الجملة الثانية :
« لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها
. . . » فهي بقرينة ما فيها من المقابلة بين ضرر الوالدة بسبب الولد - كما هو ظاهر الباء في هذا التركيب - وضرر المولود له بسبب الولد ، تكون ناظرة إلى طرفي الحكم المذكور في الصدر ؛ حيث إنّه قد اثبتَ في صدر الآية حقّان : حقّ للوالدة وهو الإرضاع بأُجرة المثل ، وحق للوالد وهو عدم تحمّل أكثر من ذلك وإمكان نزعه للولد عن امّه وإعطائه لمرضعة أخرى إذا طالبت الام أكثر ممّا تقبل به الأخرى . فافيد في الذيل أنّ مخالفة أيّ من الحكمين يكون مضارّة إما بالوالدة أو بالوالد ؛ إذ لو لم يكن للوالدة حق الإرضاع لولدها أو كان لها ذلك ولكن من دون نفقة ومجاناً كان إضراراً بها ، ولو لم يكن للأب أن ينتزع ولده ويعطيه لمرضعة أخرى تقبل بالأقل كان إضراراً به ، فقد نهي عن كليهما أو نفي المضارّة بذلك ، وحيث إنّ الآية بصدد تشريع نفس الحقّين لا الفراغ عنهما في المرتبة السابقة ، فلا محالة تكون ظاهرة في أنّ ثبوتهما يكون بملاك نفي الضرر عن الوالد والوالدة ، خصوصاً بملاحظة وقوع الجملة بعد الجملة الأولى الظاهرة في التعليل ، وكون عدم المضارّة قاعدة وضابطة كلّية مركوزة عند العقلاء وثابتة في الجملة في الشريعة ، فكأنّه قال : مخالفة ذلك مضارّة للوالدة أو للوالد ، ولا ينبغي أن تضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده .
ومن هنا يمكن أن يستفاد من إطلاقها نفي أيّة مضارّة أخرى للوالدة أو للوالد بسبب رضاع الولد ، فهي كبرى كلّية . نعم مفاد هذه الآية ليس ابتداء ضمان الضرر الحاصل ، بل مفادها - كمفاد قاعدة لا ضرر - نفي الحكم الذي ينشأ من عدم المضارّة ، إلّا أنّه حيث طبّق في مورد الآية على ضمان نفقة الرضاعة ، فيستفاد منها أنّ عدم ضمان ما يتضرر به الغير ممّا يرجع إلى الغير حكم ضرري أيضاً ، وليس بابه باب التدارك للضرر كما قيل في الإشكال على القاعدة ، وهذا امتياز الآية على سائر أدلّة لا ضرر ، فكأنّها تثبت ب « لا ضرر » حق الضمان في مثل هذه الموارد .