لا يقال : العطف ليس للجمع بل لإعطاء حكم المعطوف عليه وإسرائه إلى المعطوف ، فيكون مقتضى ذلك أنّ كلّ واحد من المحارب والساعي في الأرض فساداً يثبت له الحكم والجزاء مستقلّاً نظير قوله تعالى : «
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ »
( « 1 » ) أو قوله تعالى : «
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ »
( « 2 » ) .
فإنّه يقال : العطف وإن كان لإسراء حكم المعطوف عليه على المعطوف إلّا أنّه لا بدّ من تعيين حكم المعطوف عليه بلحاظ موقعه في الجملة ، فإذا كان المعطوف عليه موضوعاً للحكم بأن كان طرفاً للنسبة الحكمية التامّة كان مقتضى العطف عليه أنّ المعطوف أيضاً موضوع مستقل للحكم كما في المثالين المتقدّمين ، وأمّا إذا كان موقع المعطوف عليه موقع الوصف والقيد للموضوع أي طرفاً للنسبة التقييدية الناقصة كما في قولك : أكرم الرجل إذا كان عالماً وعادلًا وقرشياً ، ومن قبيل قوله تعالى : «
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى »
( « 3 » ) ، وقوله تعالى : «
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ »
( « 4 » ) ، ففي هذا الحال يكون مقتضى صناعة العطف إسراء حكم المعطوف عليه وهو الطرفية للنسبة التقييدية الناقصة إلى المعطوف فيكون المعطوف كالمعطوف عليه قيداً ووصفاً لموضوع الحكم ، لا موضوعاً مستقلّاً ؛ لأنّه لم يعطف على الموضوع للحكم ليكون كذلك . وهذا واضح .
ومقامنا من قبيل الثاني حيث إنّ جملة «
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً »
عطف على
هامش
( 1 ) ( ) النساء : 59 .
( 2 ) ( ) المائدة : 3 .
( 3 ) ( ) الأعلى : 14 - 15 .
( 4 ) ( ) المؤمنون : 1 - 5 .