فمن دونه لا تكون الحيثيّة ، والعناية الملحوظة في الأرض أكثر من حيثيّة مكان الاستقرار والأمن ، ولا أقلّ من الاجمال المانع عن التمسّك بالإطلاق ؛ لأنّه من الشكّ في سعة المفهوم الملحوظ وضيقه لا في تقييد مفهوم واسع ، كما هو مقرّر في محلّه .
وإن شئت قلت : إنّ صدق الإفساد في الأرض يتوقّف على تحقّق أمرين :
1 - أن يكون الجرم إخلالًا بالصفة القائمة بالأرض ، بما هي محل لاستقرار الإنسان وسكناه وأمنه ، لا بصفة قائمة بالإنسان أو المجتمع ، كما إذا نشر العقائد الباطلة أو أجبر الناس عليها فأصبحوا مشركين باللَّه - والعياذ باللَّه - فإنّه بمجرّده ليس إفساداً في الأرض وإن كان إفساداً للإنسان والمجتمعات .
2 - أن يكون الاخلال بصفة الاستقرار والأمن في الأرض ناشئاً من التعدّي والظلم والتجاوز على الآخرين لا أن تختلّ حياتهم واستقرارهم في الأرض بفعل صادر باختيارهم ورغبتهم كما إذا ارتكبوا أفعالًا قد توجب تدريجاً ضعفهم وهلاكهم فإنّ هذا أيضاً ليس إفساداً في الأرض وإن كانت نتيجته واحدة . فكأنّ الفساد أخذ فيه التجاوز والظلم ، وقد فسّره صاحب القاموس بأخذ مال الغير ظلماً ، فهو منصرف إلى ما يكون فساداً بالذات أي مستنكراً وقبيحاً بالذات وهو الظلم والتجاوز على الآخرين ، لا مطلق المعصية أو الفساد ولو بمنظار خاصّ .
وممّا يقرّب دعوى الاختصاص ما نشاهده في الآيات الكريمة من استعمال هذا التركيب في موارد العدوان على الأموال والنفوس ونحوه دون ارتكاب سائر المعاصي والكبائر حتى الكفر والشرك باللَّه ، فراجع وتأمّل .
2 - عدم الاختصاص بموارد شيوع التعدّي :
وأمّا الاختصاص بما إذا كان التعدّي وسلب المال أو النفس ظاهراً مشهوراً أو شائعاً منتشراً بين الناس فهو ممنوع ، بل العدوان على واحد أيضاً يكون فساداً في الأرض لو كان بحيث يخلّ بالأمن في ذلك المكان .
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 381
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٣٨١