ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ »
( « 1 » ) إلى غير ذلك من موارد استعمال هذا التركيب في القرآن الكريم ممّا يستفاد منه أنّ الفساد الملحوظ فيها فساد خاصّ مقيّد بكونه في الأرض ، بما هو محلّ استقراره وسكونته ، كما يشعر به قوله تعالى : «
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ »
في آية متقدّمة .
دعوى وردّ :
وقد يقال : إنّ هذا يتوقّف على أن يكون الظرف لغواً ، أي متعلّقاً بالإفساد ، وهو خلاف الظاهر أوليس معهوداً ، بل الظرف مستقر ومتعلّق بالسعي في مثل قوله تعالى : «
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً » *
فيكون ظرفاً للفعل والفاعل لا محالة .
ويلاحظ عليه :
أوّلًا : لا شاهد على أصل هذه الدعوى ، فإنّ كون الظرف لغواً ومتعلّقاً بالإفساد ممّا يساعد عليه الذوق والقواعد العربية نظير قولنا : يعمل في الأرض .
وثانياً : يمكن أن يكون الظرف مستقرّاً أو متعلّقاً بالسعي ، ومع ذلك نستفيد نفس المعنى وهو وقوع الفساد على الأرض ؛ لأنّ السعي بالفساد عبارة أخرى عن نفس عمل الفساد ، فتقييده بكونه في الأرض يساوق كون الفساد فيها ، كما أنّه إذا كان متعلّقاً بالمقدّر وظرفاً مستقرّاً فالمستفاد منه أنّه ظرف ملحوظ للفساد لا للمفسد ، فيكون قيداً له وأنّه فساد في الأرض لا في شيء آخر يصدر من الفاعل .
وتمام النكتة أنّ استفادة هذا المعنى غير مربوط بالنكتة الأدبية في تشخيص متعلّق الظرف ، بل مربوط بنكتة معنوية دلالية هي رجوع الظرف بحسب النتيجة النهائية قيداً ووصفاً وتخصيصاً للفساد بأن يلحظ الفساد المقيّد بكونه في الأرض منسوباً إلى الفاعل ، أو أنّه قيد وظرف لنفس النسبة وصدور الفعل ، فعلى الأوّل
هامش
( 1 ) ( ) يوسف : 73 .