وهذا ما يشهد به الوجدان العرفي وتؤكّده ملاحظة موارد استعمال هذا التركيب في الآيات الكريمة . فقد ورد في بعضها المقابلة بين الإفساد في الأرض وبين صلاح الأرض ، كما في قوله تعالى : «
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً »
( « 1 » ) ، وقوله تعالى : «
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
( « 2 » ) .
ممّا يشعر أنّ المراد بالإفساد في الأرض ما يقابل إصلاح الأرض أي إفسادها ، لا مجرّد الظرفية ، بل الظرفية تستلزم اللغوية والتكرار المخلّ في مثل قوله تعالى :
«
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ »
( « 3 » ) ، وقوله تعالى : «
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ »
( « 4 » ) ، فتكرار القيد لا يناسب الظرفية ، بل لا بدّ لإفادة نكتة وخصوصية زائدة وهي إيقاع الفساد على الأرض وإحلاله فيها ، بل هذا هو المتبادر من هذا التركيب في كلّ مورد لوحظ فيه الظرف - في الأرض - قيداً للفساد ووصفاً له في المرتبة السابقة على إسناده لفاعله . لاحظ قوله تعالى : «
وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ »
( « 5 » ) وقوله تعالى :
«
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ »
( « 6 » ) وقوله تعالى :
«
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ »
( « 7 » ) وقوله تعالى : «
لَقَدْ عَلِمْتُمْ
هامش
( 1 ) ( ) الأعراف : 56 .
( 2 ) ( ) الأعراف : 85 .
( 3 ) ( ) البقرة : 205 .
( 4 ) ( ) البقرة : 30 .
( 5 ) ( ) القصص : 77 .
( 6 ) ( ) ص : 28 .
( 7 ) ( ) المائدة 32 .