الآية ممّا لم يفت به أحد من الفقهاء في حدّ المحارب الذي هو القدر المتيقّن من الآية ، فلا بدّ من طرحها أو تأويلها وحملها على بعض المحامل ، وبذلك يسقط الاستدلال بها في المقام .
وهكذا يتّضح أنّ عنوان المحارب في الآية المباركة مختصّ بمن يشهر السلاح للإفساد في الأرض ، وهو الإخلال بأمن الناس وإخافتهم والتعدّي على أموالهم أو أعراضهم أو أنفسهم ، ولا شمول له للباغي أو الكافر إذا حارب الدولة الإسلامية وقام بوجهها ، ما لم تصدر منه المحاربة بالمعنى المذكور ، فيكون مصداقاً للآية من تلك الناحية ، وهو ممّا لا كلام فيه .
ويكفي لصحّة هذا الاستظهار والركون إليه ما نجده من تطابق فهم الفقهاء من العامّة والخاصّة وكذلك المفسّرين من الآية وتفسيرهم للمحاربة بذلك - وإن اختلفوا في خصوصيات مورد النزول كما تقدّم - ممّا يكشف عن عدم وجود ظهور في الآية على إرادة مطلق المحارب وإلّا كيف يخفى على كلّ هؤلاء ، وهم جميعاً من أهل اللغة والأدب والمحاورة . والظهورات ليست مسائل عقلية دقيّة لكي يمكن خفاؤها على السابقين جميعاً ، كما أنّ الأنواع الأخرى للمحاربة وشمول المعنى اللغوي لمادة الحرب والمحاربة لها كانت على مرأى ومسمع أولئك الأعلام ، وقد تعرّضوا لأحكامها أيضاً فلم تكن مصاديق جديدة غير معروفة وقتئذٍ ليكون عدم استظهارهم التعميم من جهة احتمال عدم معروفية تلك الأقسام عندهم أو عدم تحقّق مصاديق لها في زمانهم .
بل المتتبّع في الروايات وأسئلة الرواة وأصحاب الأئمّة عليهم السلام عن حكم المحارب يجد أنّه لم يقع حتى استشكال وسؤال من قِبل الرواة عن احتمال شمول المحارب للكفّار أو الباغين وإلّا لكان ينعكس عادة فيما وصلنا من الروايات ، فكأنّ اختصاص الآية كان أمراً واضحاً وبديهياً عندهم وأنّ الإمام عليه السلام عندما كان يذكر الآية أو تذكر له فيفصّل العقوبات الأربع فيها على مراتب المحاربة بالمعنى
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 375
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٣٧٥