تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءات فقهية معاصرة — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
وإن شئت قلت : إنّ المستفاد من هذه الآيات أنّ موضوع جواز القضاء والحكم هو واقع ما أنزله اللَّه وجعله من الحكم للواقعة ، فيكون العلم به علماً بموضوع جواز القضاء ، وهذا علم طريقي بالنسبة لموضوع جواز القضاء ، ويؤدّي إلى العلم بجواز القضاء لا محالة ، ولا يمكن الردع عن حجّيته . ونلاحظ على هذا الاستدلال : أوّلًا : إنّ القاضي له حكمان : أحدهما : حكمه بتحقّق الموضوع المترافع فيه ، حيث إنّ الترافع والقضاء يكون في الموضوعات كالحكم بأنّه سرق أو زنى أو قتل أو غصب مال الغير وغير ذلك ، وهذا هو الحكم القضائي بالدقّة ؛ أي هو الذي ينشئه ويحكم به القاضي ، ومن هنا كان نفوذ حكم القاضي من أقسام نفوذ حكم الحاكم في الموضوعات . والآخر : ترتيب حكم الواقعة على المورد والإلزام به ، كالحكم بالدّية أو القصاص أو الحد أو الضمان ، وهذا الحكم بحسب الحقيقة من إنشاء الشارع وجعله لا القاضي ، وإنّما يطبّقه القاضي على المورد اجتهاداً أو تقليداً ، فيقال إنّه حكمه مسامحة وبهذا الاعتبار . فإذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : إنّ الآيات المذكورة - بقرينة أمرها بالحكم بما أنزل اللَّه وشرّعه - تكون ناظرة إلى المرحلة الثانية لا الأولى ، فيكون مفادها أنّ الحاكم لا بدّ وأن يطبّق الأحكام الإلهيّة المشرّعة من قِبل اللَّه والنازلة على أنبيائه العظام ، لا الأحكام البشرية التابعة لأهوائهم ، وهذا يعني أنّ نظر الآيات المذكورة إلى الشبهة الحكمية وما ينبغي أن يطبّقه الحكّام من أحكام وشرائع ، فلا يجوز لهم أن ينحرفوا عمّا أنزله اللَّه لعباده ، وأمّا أنّ الموضوع المترافع فيه بما ذا يثبت قضائياً ، بحيث يكون حكم القاضي نافذاً فيه على المتخاصمين فهذه جهة أخرى أجنبية عن منظور هذه الآيات ، بل هذه الجهة مأخوذة في الآيات كالموضوع مفروغاً عنه ، فكأنّها تقول كلّما ثبت الموضوع بما يكون مثبتاً له فلا بدّ من الحكم فيه بما أنزله اللَّه لا بما جعله البشر ، فهي ليست بصدد إثبات الموضوع ، بل بصدد الأمر باتّباع ما