أدلّة وجوب إنكار المنكر وإظهار الحق مع إمكانه تدلّ بالملازمة على جواز حكم القاضي بعلمه وتعيّنه عليه .
وفيه :
أوّلًا : إنّ إنكار المنكر وإظهار الحقّ أجنبي عن جواز حكم القاضي بعلمه ونفوذ هذا الحكم عن الآخرين ؛ فإنّه قد يجب على القاضي الإنكار على أحد المتخاصمين ونصحه وأمره بالمعروف وحمله على الإقرار بالواقع ، ولكنّه مع ذلك لا يكون له القضاء بعلمه ، بل قد يجب عليه القضاء بما قامت عليه البيّنة إذا فرض حجيتها بنحو الموضوعية لا الطريقية ، كما هو الحال في حق من يعلم بخطإ حكم القاضي لأحد الخصمين بناءً على القول بحجية حكم الحاكم حتى مع العلم بخطئه ، فإنّه قد يجب على العالم بالخلاف أن ينكر على من حكم له إذا كان متعدّياً فيما أخذه بحكم القاضي ويردعه عن المعصية والعدوان رغم نفوذ حكم الحاكم عليه أيضاً .
نعم يمكن أن يدّعى الملازمة العرفية - بعد فرض طريقية البيّنة واليمين في مقام الإثبات القضائي ولو في الجملة - بين وجوب إظهار الحق وإنكار المنكر على القاضي أيضاً وبين حرمة الحكم بالخلاف وما يراه القاضي منكراً ، وأمّا جواز الحكم بما علمه من دون بيّنة ويمين فلا يستلزمه ذلك بوجه من الوجوه إلّا إذا قام دليل على وجوب الحكم عليه وعدم جواز إيقافه ، وهو أوّل الكلام .
وثانياً : لا دليل على وجوب إظهار الحق بالمعنى المذكور ، فإنّه لو أريد التمسّك بأدلّة النهي عن المنكر فهي فرع تحقق المنكر ، وهو لا يكون مع فرض احتمال وجود عذر للخصم ، كما إذا كان يعتقد أنّ الحق له واقعاً أو ظاهراً ، فالدليل أخصّ من المدّعى ، اللّهمّ إلّا بضميمة عدم القول بالفصل . وإن أريد التمسّك بأدلّة حرمة الكتمان فهي مخصوصة بموارد خاصة ، من قبيل كتمان الشهادة ، أو كتمان البيّنات ودلائل النبوة ، أو كتمان الدين وتبليغ أحكامه ونحو ذلك ، وكلّه أجنبي عن
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 291
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٢٩١