هذا ولكن الإنصاف : أنّه ليس معنى أولوية الحاكم بالأموال والأنفس أنّ له أن يسلب وينفي ثبوت الحق الشرعي عن صاحب الحق ، فإنّ هذا معناه الولاية على الشارع لا الناس ، ودليل الولاية ليس مشرّعاً ، وإنّما معناها أنّ للحاكم أن يأخذ متعلّق الحق من المال ونحوه للنفع العام ، وفي المقام ليس منع الحاكم عن القصاص بمعنى أخذ القصاص ، بل بمعنى نفي الحق والسلطنة التي جعلها الشارع له ، وهذا خارج عن مدلول الولاية .
نعم للحاكم أن يمنع تكليفاً من إعمال ولي الدم لحقّه في القصاص كمنعه عن أي تصرّف آخر يكون من حقوق الأشخاص إذا شخّص مصلحة في ذلك ، وعندئذٍ يحرم على الولي الاقتصاص تكليفاً ؛ لكونه مخالفة للحكم الولايتي ، ولكنّه جائز له وضعاً ؛ بمعنى أنّه لا يكون عليه قصاص لو اقتص من الجاني ؛ لثبوت السلطنة والحق له وإن كان يعزَّر على المخالفة .
وقد يقال : بأنّ من مقتضيات الولاية على من له الحق أن يكون له الولاية على نفس التصرّف الذي كان لصاحب الحق ، وهو العفو عن القصاص ، فيكون لولي الأمر أن يعفو عن قصاص الجاني كما كان لولي الدم ، وليس هذا مستلزماً لمشرّعية دليل الولاية كما لا يخفى ، وبذلك يسقط حق القصاص ، ولا يجوز لوليّ الدم أن يقتصّ حتى وضعاً .
إلّا أنّ الإنصاف : أنّ استفادة مثل هذه الولاية في باب القصاص مشكل ؛ ولهذا لا حقّ لولي المجنون أو الصغير الذي له حق القصاص أن يعفو عن الجاني ، بل ينتظر بالصبي حتى يبلغ ، فإمّا يقتص أو يعفو .
فالحاصل : كأنّ حق التقاصّ من الأمور المختصة بمن له ذلك فقط ، وليس كالحقوق الأخرى ، والمسألة بحاجة إلى مزيد تأمّل .
هذا كلّه في الحدود المقررة شرعاً .
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 269
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٢٦٩