كجمهوريات آسيا الوسطى ؛ فإنّه لا يمكن بين عشيّة وضحاها إقامة الحدود الإسلامية فيها على كل شارب خمر أو زانٍ أو نحو ذلك ، وإنّما يحتاج إلى مضي فترة زمنية تمهّد فيها المقدّمات والتمهيدات اللازمة فكرياً وإعلامياً وإدارياً لتقبُّل الناس وفهمهم للنظام الإسلامي وعدالة أحكامه المقدَّسة .
فالحاصل : أنّ الحاكم الإسلامي مسؤول عن إقامة حكم اللَّه في المجتمع بما يضمن له الثبات والاستحكام والدوام ، فلا بدّ وأن يضع سياسة تنفيذية مناسبة لذلك ، وهذا قد يتوقّف على التدرّج في تطبيق الأحكام وإقامة الحدود الشرعية .
وأمّا الحدود التي هي حقوق الناس كحدّ القذف أو القصاص فهي وإن كانت متروكة للناس إن شاءوا استوفوا وإن شاءوا عفوا إلّا أنّه مع ذلك يمكن تصوير حق منع الحاكم لهم عن الاستيفاء في إحدى حالتين :
1 - حالة التزاحم مع مفسدة مهمة ؛ كما إذا فرضنا أنّ إجراء القصاص على الجاني يستوجب الفتنة والحرب مع دولة يخشى منها ، كما لو كان القاتل من رعاياها مثلًا ، بل قد يكون التزاحم المذكور موجباً لسقوط الحكم التكليفي بجواز الاستيفاء لصاحب الحق أيضاً ، فلا يجوز له القصاص تكليفاً وإن كان من حقه وضعاً ، وأثره عدم ترتّب القصاص عليه لو خالف وقتله ، وإن كان يعزَّر على المخالفة .
2 - أن يشخّص الحاكم مصلحة في عفو الجاني عن القصاص والانتقال إلى الدية ، فإنّه يمكن أن يقال : بأنّ مقتضى ولايته العامة على الناس في أموالهم وحقوقهم الشخصية - إمّا مطلقاً أو فيما يرتبط منها بالمصالح الاجتماعية والنظامية - أنّ له الولاية على هذا الحق الخاص أيضاً كولايته على سائر الأموال والنفوس ، فكما يجوز له أخذ الضرائب ووضعها على أموالهم الخاصة أو يجوز له المنع عن بعض التصرّفات وتحديد الحرّيات حسب المصالح التي يشخّصها للحكومة ، كذلك له أن يمنع عن إعمال ولي الدم أو صاحب الحدّ حقّه ؛ لأنّه أولى به منه .
قراءات فقهية معاصرة — صفحة 268
مساهمون: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي
ص٢٦٨