هامش
- إنّ كلمات الإمام علي صريحة في ضرورة استمرار اللقاء والحوار والمناقشة مع الحاكم ، وهذا الأمر مشتقّ من تعليم إسلامي : « أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر » . والضمانة تبقى في التقاء الحاكم بالناس ، والاستماع إلى النقد والمحاسبة ، بالإضافة إلى محاسبته لنفسه التزاماً بالحديث الشريف : « حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا » . وكأنّ الإمام يصف واقع العالم العربي متنبّئاً بالمآسي التي يمرّ بها جرّاء ابتعاد الحاكم عن الناس ، وفقدان الحرّية والديموقراطية ، وانتفاء المحاسبة ، وتداول السلطة . فأضحى الحاكم نسيج وحده فاقداً كلّ اتّصال بالناس غير عابئ بتطلّعات الشعب العربي الذي يسير إلى الهاوية ! وهذه فلسطين قد ضاعت ، وضاع العراق ، وكاد لبنان أن يضيع ، ولا نزال نقف على الأطلال نبكي مثل النساء ملكاً لم نحمه مثل الرجال !
أمّا الانفصال بين مبدأ العدالة الاقتصادية والاجتماعية وبين الآيديولوجية الإسلامية فهو جزء من مأساة الفصل بين العقيدة والشريعة . هذا الانفصال بوجوده وبقناعة المسلمين على مختلف فئاتهم فيه أفقد العمق والشمول والدوام في أُسس العدالة ، حتّى أصبحت العدالة الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما مطلباً اجتماعياً وموضوعاً سياسياً صرفاً ، كما يقول عن أوضاع الأُمّة اليوم .
إنّ العقيدة المنفصلة عن نتائجها الاجتماعيّة لا تؤثّر في أوضاع المسلمين الحياتية ، ولا في سلوكيتهم الخاصّة والعامّة . واقترنت لدى البعض بالعبادات فقط لتنظيم العلاقة بين الفرد وخالقه فحسب ولتسهيل رحلة الموت ليس إلّا . . إننّا لا نعرف بالضبط متى حصلت هذه المؤامرة ؟ ويسمّي الإمام اقتصار العبادة لتسهيل مرحلة الموت : « مؤامرة » ، متسائلًا عن مرحلة الحياة ودور الدين فيها . فقد انفصل الإنسان عن العدالة ، وأفرغت العبادات من محتوياتها ، وأصبحت طقوساً . . .
ومرحلة الحياة عند الإمام أهمّ من تنظيم مرحلة الموت ، ولئن اقترن جهاده بالاثنين معاً ، فهو من جهة أطلق أُطروحة المقاومة اللبنانية وضعاً للخصوصية في سياقها الوطني العربي والإسلامي ، إلّاأنّه يوم إطلاق هذه المقاومة وضع الحجر الأساس لبناء مدرسة في « كفرشوبا » ورفع عينه إلى السماء وقال : « يا سماءنا ، نحن الآن هنا أقرب إليك من أيّ مكان آخر » .
فالإمام باني المؤسّسات العديدة قد عرف منذ البدء أهمية هذه المؤسّسات في انتظام حياة -