هامش
- المستقبل ورسم مساراته ، وبناء ركائزه وفق رؤية صائبة واضحة الأهداف ووسائل لا تحيد عنها . الشخصية القيادية يميّزها تجرّدها عن الذات ومصالحها ، الأمر الذي يمكنها من إدراك الحقائق وإزالة الحجب عنها ، فتتجاوز أقوالها وأفعالها حدود الحاضر المعاش لتستمرّ مع حركة الزمن مشعل هداية ، وترسم للأجيال صورة المستقبل ، وتنير لهم دروبه .
والإمام الصدر واحد من أبرز هذه النماذج القيادية في تاريخنا المعاصر ، تقرأ في كتابه فتبهرك سعة أُفقه وقدرته على فهم حركة الواقع وأسبابها ودقّة تنبّؤه وتوقّعاته ، مثله ليس كمثل أُولئك المتأمّلين المتنبّئين والحالمين ، بل كمثل أصحاب الرسالات الساعين إلى التغيير والإصلاح ونشر رسالاتهم وأفكارهم مدركين الظروف والأوضاع المحيطة بهم بالتصدّي والتفاعل والانفتاح بكلّ الوسائل والسبل المتلائمة مع الغاية والمبدأ ؛ بالكلمة الناصحة الهادية والموجّهة ، بالحركة الدؤوبة المتصّلة والملتصقة بهموم الناس وقضاياهم ، بالانفتاح على مجريات الزمن وتحوّلاته والأحداث والقوى والتيّارات والمذاهب المؤثّرة ، بالتفاعل المنتج الذي يحرّك قوى الخير ويحدّد وجهة المسير . ويقترن كلّ ذلك مع حضور دائم ، ووعي متحرّك ، وثبات على المبدأ ، واستعداد لا حدود له لتحمّل تبعات الموقف والحركة .
مثل هذا النموذج من القيادات ليس سياسياً بالمعنى المألوف لكلمة ( سياسة ) المرادف للمصالح الآنية أو الفئوية أو الذاتية والمتمثّلة بطموح أو صراع غايته التسلّط طلباً لنفوذ أو وجاهة أو منفعة أو لهم معاً . هو نموذج من المصلحين الذين يطلقون حركة التغيير ويؤسّسونها ويهبونها كلّ ما لديهم وفيهم من طاقات وقدرة ، فيتركون للأجيال عصارة فكر متجدّد ، ولقوى التغيير خلاصة منهج قدوة . « نحن لسنا قادة سياسيّين ، وإنّما خبراء بشؤون الدين ، نهتمّ بالقضايا الاجتماعية إلى جانب واجباتنا الدينية » . « لا أقبل أن يحدّد الزعماء العرب مسؤولياتنا الدينية من خلال ما يرتأون من حلول سياسية ، وليست هذه أوّل مرّة تصطدم فيها الآيديولوجية أو العقيدة مع الأساليب السياسية ومع تصرّفات المسؤولين » .
2 - ظروف نهضة الإمام الصدر :
إنّ الحكم على أيّ تجربة إنسانية فردية كانت أم جماعية ، وكذلك تقييم دور مسيرة أو حركة أو قيادة ، لابدّ أن يأتي بعد معرفة وافية للظروف والأوضاع التي أحاطت بهذه التجربة أو المسيرة أو القيادة . بدون ذلك تتوه الأحكام في منزلقات الهوى والرغبة ونوازع الذات -