وإمّا أن يكون المراد منه تغييرا خاصّا فيه ، ممّا يوجب الخروج عن طاعة اللّه تعالى والمعارضة مع خلقه عزّ وجلّ ، والتمرّد على القواعد الحاكمة في التكوين .
وتغيير الشيطان لخلق اللّه عزّ وجلّ لم يتحقق خارجا إلّا بعد سبق تغيير يكون هو السبب فيما يقع من الإنسان من تغيير خلق اللّه تعالى ، وهو إضعاف تأثير الفطرة وإخفاؤها ، وهو ممّا له الأثر الكبير في تفكير الإنسان ، فتحقّق الأرضيّة الخصبة لوساوس الشيطان وأمانيه . لذا يعتبر القرآن الكريم أنّ ما يعده الشيطان من الغرور الذي هو الخداع ، لأنّ تلبيسه يرجع إلى الإيهام على الفطرة وخداع الفكر ، ولكنّه لا يخرج عن إرادة اللّه عزّ وجلّ ، وقد ورد في السحر الذي هو عمل شيطانيّ وأفعال السحرة :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
« 1 » . وهو مهما حاول من التأثير في الإنسان لكنّه لا يمكنه طمس الفطرة وتبديلها ، فإنّ إرادته عزّ وجلّ تعلّقت بأنّه
لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
تعالى .
وعلى جميع الاحتمالات ، فليس الاستنساخ من تغيير خلق اللّه .
وأمّا ما ذكره بعض من أنّ الأمر الذي يهفو إليه الشيطان ويوسوس إليه ليس متطابقا مع الإرادة الإلهيّة . فغير قابل للتحقّق في الخارج ، ومن هنا حكمت الآية الكريمة عليه بأنّه غرور ، فإنّه بعيد عن التحقيق ، فإنّه وإن كان جميع ما يقبل التحقّق في الخارج لا بدّ أن يكون مورد إرادته تعالى ، ولكن ليس كلّ ما تعلّقت به الإرادة الإلهيّة هو مورد رضائه عزّ وجلّ ، فإنّ المعاصي والآثام وأنواع الظلم وإن تعلّقت بها الإرادة الإلهيّة ، إلّا أنّها لم تكن مورد رضائه ، فإنّ اللّه تعالى لا يرضى بالمعاصي والآثام ، كما
لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
.
ومن ذلك يظهر بطلان القول بأنّ القضية لو لم تكن داخلة في دائرة الإمكان لما تحقّقت في عالم الخارج . فإنّه لا ريب فيه ، فإنّ المستحيل لا تحقّق له
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 102 .