ومن هنا صار في الإنسان انبعاث داخليّ فطريّ إلى الأخلاق يساير جميع مراحله ، فكانت له حاسة أخلاقيّة يميّز بها الخير والشرّ ، كما يميّز بالحاسة الجماليّة المودعة فيه بين الجميل والقبيح .
ومن هذه الحاسة الأخلاقيّة نستطيع أن نؤسّس القواعد الخلقيّة والقانون الأخلاقيّ العامّ .
وتلك القواعد الخلقيّة هي التي تخاطب الضمير الإنسانيّ ، ويرغب إليها الإنسان لأجل الحقيقة ذاتها وأهمّيتها الخلقيّة ، فهي لم تكن غريبة عليه ، فكانت لها صفة الإلزام ، وقد قال تعالى :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
« 1 » .
ولكنّ هذا النور الفطريّ الباطنيّ قد يلقى موانع توجب طمسه ، وهي كثيرة كالعادات ، والبيئة ، والوراثة ، والتربية ، وشواغل الحياة المادية ، ولهذا كان لا بدّ من بعث الأنبياء وذوي النفوس المصطفاة الملهمة بالوحي ، لإزالة الغشاوة عن ذلك النور الفطريّ ، فيثيرون للناس دفائن العقول ، ويكمّلون ما كانوا يحتاجون إليه في كمالهم ، فكان نور الوحي الإلهيّ مكمّلا لنور الفطرة التي أودعها اللّه في الإنسان ، قال عزّ من قائل :
إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً
« 2 » .
وقد أسّس القرآن الكريم قواعد حكيمة وضوابط معينة في تعيين الفكر الأخلاقيّ القرآنيّ ، لا يسع المقام ذكرها .
ومن جملة تلك القواعد التي يدلّ عليها العقل أيضا أنّ الإنسان قد خلق وله القدرة على أن يكون خيّرا أو يكون شريرا بتربيته ورغبته ، قال تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 3 » ، فبقدرته يأخذ بالخير فيكون خيرا ، أو يأخذ بالشرّ
هامش
( 1 ) سورة القيامة ، الآية : 14 - 15 .
( 2 ) سورة الإنسان ، الآية : 3 .
( 3 ) سورة البلد ، الآية : 10 .