الثانية : إذا لم تكن عملية الاستنساخ من الخلق المنحصر به عزّ وجلّ ، ولكنّها من تغيير الخلق الذي يأمر به الشيطان ،
كما حكى عنه عزّ وجلّ فقال :
وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً
« 1 » .
فإنّ الخلق في الآية وإن كان أعمّ من الخلق الصوريّ - أي : الطبيعي ، أو الفطريّ الذي هو الدين - ولكنّ تغيير الخلق لا بدّ أن يكون فيه نوع من المعارضة مع خلق اللّه سبحانه وتعالى ، كما هو ظاهر الآية المباركة بمقتضى المقابلة بين فعل اللّه تعالى وصنعه وبين فعل الشيطان ، وهو قد يكون حسيّا ماديّا ، صفة أو صورة ، كأنواع المثلة ، والتشويهات والتبدّلات التي يأمر بها الشيطان المطيعين له في أصناف خلق اللّه تعالى ، وقد ضرب اللّه عزّ وجلّ مثلا لذلك ببتك الآذان الذي كان من فعل أهل الجاهليّة ، فكانوا يحرّمون تلك الأنعام التي قطعت آذانها أو شقّت على أنفسهم .
وقد يكون تغييرا معنويّا ، متمثّلا بالخروج عن الفطرة السويّة ، والإعراض عن الدين الحنيف والتعاليم الإلهيّة وتبديلها وتحريفها وتغييرها ، وذلك بإتيان أنواع الرذائل والمنكرات ، أو ترويج الباطل ، وإشاعة الفحشاء ، وتحويل النفس عمّا تدعو إليه دواعي العقل والفطرة ، قال تعالى :
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
« 2 » .
ولا ريب أنّ فطرة الناس هي أساس الكمالات ومنبع الخيرات ، وأصل
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية : 118 - 120 .
( 2 ) سورة الروم ، الآية : 30 .