والمتكلّمون استخدموا هذا الدليل القرآنيّ في مجال إثباتهم جواز حشر الأجساد ، فاللّه يحكم على الشيء بحكم مثله ، ويجعل سبيل النظير ومجراه مجرى نظيره « 1 » .
ولكنّ المراد من المثل أحد معنيين :
الأوّل : أن يكون اللحاظ بالنسبة إلى البدن دون النفس ، فالبدن اللاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه ، لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق كان عينه لا مثله ، لأنّ الشخصيّة بالنفس ، وهي واحدة بعينها « 2 » .
ولكن هذا المعنى واضح بالنسبة إلى البدن الذي تتبدّل في كلّ آن أجزاؤه ، بأن ينعدم جزء منه في آن ويأتي مثله في الآن الثاني ، فهو لا يزال يتغيّر . كما هو الشأن في كلّ مركّب ، فإنّه ينتفي بانتفاء أحد أجزائه ، بخلاف النفس المجرّدة النزيهة عن المادة وتغيراتها ، المأمونة من الموت والفساد .
الثاني : أن يكون المراد من الآية الكريمة هو أنّ المعاد يوم القيامة مثل هذا الذي في الدنيا مشابه له تماما ولو بخلقه من جزء منه ، كما نبّه إليه الغزاليّ ، وهو يعرف عن كفاية المثل من غير حاجة إلى صدق العينيّة .
وبما أنّ الإنسان تتبلور حقيقته بروحه ونفسه ، وهي محفوظة في إعادة البدن سواء كان عينه أم مثله ، وأنّ الغرض من حشره ببدنه عدم إمكان تعذيب الروح أو تنعيمها إلّا عن طريق البدن ، فإذا كانت الشخصيّة محفوظة فلا تنقطع الصلة بين المبدأ والمعاد ، لا سيّما أنّ أجزاء البدن المبعثرة معلومة للّه سبحانه ، فهو يركّب الأجزاء المبعثرة ، وتتعلّق بها الروح ، قال سبحانه وتعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
« 3 » .
هامش
( 1 ) اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع - الأشعري ، ص 22 .
( 2 ) تفسير الميزان ، ج : 12 ، ص : 114 ، طبعة بيروت .
( 3 ) سورة يس ، الآية : 79 .