ممّا جعل بعضهم ينكر المعاد مطلقا ويقول باستحالته ، وآخر ينكر المعاد الجسمانيّ عقلا ويقول بالروحانيّ فيه ، ومنهم رئيس فلاسفة الإسلام ابن سينا الذي ذهب إلى المعاد الروحانيّ ، وجعل المعاد الجسديّ ممّا دلّ عليه السمع فقط وإن لم يقبله العقل ، قال الفيلسوف القدير صدر الدين الشيرازيّ في كتابه القيّم الأسفار الأربعة : « اتّفق المحقّقون من الفلاسفة والمليّين على أحقيّة المعاد ، وثبوت النشأة الباقية ، لكنّهم اختلفوا في كيفيته ، فذهب جمهور الإسلاميّين وعامّة الفقهاء وأصحاب الحديث إلى أنّه جسمانيّ فقط ، بناء على أنّ الروح عندهم جسم سار في البدن سريان النار في الفحم والماء في الورد والزيت في الزيتونة . وذهب جمهور الفلاسفة وأتباع المشائيّين إلى أنّه روحانيّ ، أي : عقليّ فقط ، لأنّ البدن ينعدم بصوره وأعراضه لقطع تعلّق النفس بها ، فلا يعاد بشخصه تارة أخرى ، إذ المعدوم لا يعاد ، والنفس جوهر باق لا سبيل للفناء إليه ، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلّقات بالموت الطبيعيّ .
وذهب كثير من أكابر الحكماء ومشايخ العرفاء ، وجماعة من المتكلّمين كالغزاليّ ، والكعبيّ ، والحليميّ ، والراغب الأصفهانيّ ، وكثير من أصحابنا الإماميّة كالشيخ المفيد ، وأبي جعفر الطوسيّ ، والسيد المرتضى ، والمحقّق الطوسيّ ، والعلّامة الحليّ ( رضوان اللّه عليهم أجمعين ) إلى القول بالمعادين ، ذهابا إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن » « 1 » . وكلامه قدس سرّه واضح يبين وجوه الخلاف وسره على نحو الايجاز .
إلّا أن القائلين بحشر الأجساد وقعوا في خلاف عظيم في كيفيته ، فهل يكون في عين البدن الذي كان في الدنيا ، أو يكون في مثله .
وموجز القول في المعاد أنّه بمعنى العود ، أي : إعادة اللّه تعالى البدن الذي انعدم وعود الروح إليه .
ولكنّ العود هذا يتصوّر على أنحاء ثلاثة : إمّا إعادة البدن والروح كلاهما
هامش
( 1 ) الأسفار الأربعة ، الجزء : 9 ، ص : 165 .