والذي يهمّنا في المقام عرض عملية الاستنساخ على هذه النظرية العقليّة ومعرفة قيمتها الأخلاقيّة .
وقد عرفت سابقا أنّ الاستنساخ يعتبر كشفا علميا لا ريب في حسنه كسائر الكشوف العلميّة ، وإنّما الذي يجعله من أحد الطرفين - الحسن أو القبيح - هو الأثر المترتّب عليه ، وإذا تذكّرنا ما ذكرناه مرارا من أنّ الاستنساخ إنّما هو وسيلة لخلق إنسان ، وهو مركّب من نفس وجسد ، ولكلّ واحد منهما مميزات وصفات ، والذي يتدخل فيه الاستنساخ إنّما هو صفات الجسد . وأمّا النفس الإنسانيّة - صفاتها وخواصها وآثارها - فإنّ لها أسرارا لا يعلمها إلّا بارئ النفوس ، لأنّ الفرق بينهما كبير جدا يظهر من تباين موضع خلقهما ، فإنّ النفس من عالم المجرّدات ، والجسد من عالم المادّة ، وصفات كلّ واحد من العالمين تختلف عن الآخر ، وإن كان تأثير كلّ واحد منهما في الآخر حاصلا في الجملة لا يسع لأحد إنكار ذلك مهما كانت وجهة نظره .
وصفات النفس ليست بتلك المثابة بحيث يمكن للاستنساخ التأثير فيها وتغييرها ، فإنّ تلك الصفات لها مؤثّراتها الخاصّة المتعدّدة ، من الغرائز ، والوراثة ، وعمل الإنسان نفسه ، والتربية ، والتعليم ، وتزكية النفوس بالكمالات ، هذا عدا القضاء والقدر الإلهيّين الذين لهما التأثير الكبير ، وهما يرجعان إلى أسرار الخليقة التي لم يطلع عليها سواه عزّ وجلّ .
كما أنّ ما يوجب تغيير تلك الصفات والقيم كثير قد استوفى القرآن الكريم جميع ما يتعلّق بها بأفصح كلام وأعذب أسلوب ، وشرحتها السنّة الشريفة ، وحذّر اللّه تعالى الإنسان عن اقترافها ، وجعله عزّ وجلّ من صميم الشرائع الإلهيّة ، وأمانة يجب على الأنبياء أداؤها .
فإنّ من أهمّ ما يوجب تهذيب النفوس هو الرجوع إلى طاعة اللّه عزّ وجلّ وإتيان الواجبات الإلهيّة التي لها الأثر الكبير في هذا المضمار ، كما أنّ ما يوجب
الاستنساخ بين التقنية والتشريع — صفحة 111
مساهمون: السيد علي بن عبد الأعلى السبزواري
ص١١١