وما ذكر من مشاكل ليست من مساوئ الاستنساخ فقط ، بل تجري في سائر أفراد البشر إذا خرجوا عن الطاعة وابتعدوا عن القواعد المفروضة لتنظيم العلاقات الأسريّة والاجتماعيّة ، وأعرضوا عن التعاليم الإلهيّة في تهذيب النفوس . ولا يخفى على ذوي البصائر أنّ ذلك واقع في جميع المجتمعات ، وكلّ ما أثير حول الاستنساخ موجود في كثير من الأفراد . فقد انتزعت الرحمة من القلوب ، وضعفت العلاقات بين الأولاد وآبائهم ، ونشأت أجيال فقد فيها كثير من الصفات المطلوبة التي كانت متوفّرة في السلف ، فالإشكال ليس منحصرا في الاستنساخ .
مع أنّه ليس إلّا تكثير في الأفراد والتحكّم في كينونة الإنسان دون نفسه ، التي يخلقها بارئها ويلهمها فجورها وتقواها ، فهي تتقبّل كلا الأمرين من الخير والشرّ ، ويحدّد اتّجاهها عمل الإنسان نفسه ، كما عرفت . فإنّ العلماء وإن تمكّنوا من خلق الإنسان من خلية جسميّة ، لكنّهم لم يتمكّنوا مهما بذلوا من الجهد أن يخلقوا روح حيوان أو إنسان ، فإنّه من المجرّدات لا سلطة لهم عليه أبدا ، فما أشدّ غفلة الإنسان حيث يتجاهل المشاكل الأخلاقيّة الحاصلة له من البعد عن أصول المكارم ، وقواعد الأخلاق ، والابتعاد عن التعاليم الإلهيّة ، وارتكاب المعاصي والآثام وانتهاك أعظم الحرمات ، وقد قال تعالى :
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ
« 1 » .
فلا وجه للتغاضي عن المؤثّرات التي أوجبت صرف النفس الإنسانيّة عن كمالها ، وصبّ الاهتمام إلى المستنسخ فقط ، والبحث عن الجوانب الأخلاقيّة لعملية الاستنساخ . مع أنّه يمكن سنّ تشريعات خاصّة ووضع قواعد معينة لتنظيم العلاقات في الاستنساخ وتحديد سلوك الفرد المستنسخ ، ممّا يمكن دفع العراقيل التي تقف أمام هذه التقنية من جهة الأمور الخلقيّة التي تنتج عنها .
هامش
( 1 ) سورة الروم ، الآية : 41 .