وتفيد الأدلّة اللفظيّة أنّ الفقهاء منصوبون من قبل الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فتكون الأدلّة الواردة عن الأئمّة المعصومين إمضاء لذاك وإن كانت بصورة النصب ، كقولهم : « جعلته حاكما » ، أو « هو حجّتي عليكم » ، أو « جعلته قاضيا » ، أو غير ذلك .
وأمّا ما توهّم أنّ جعل النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يحتاج إلى الإمضاء المتأخّر وهكذا إلى أن تصل النوبة . . . في غاية السقوط . أمّا في المقيس عليه فلما تقرّر في محلّه أنّ أخبار التحليل « 1 » ناظرة إلى موضع خاصّ ، هكذا اشتهر واتّضح .
وأمّا في المقيس ، فلأنّ ما هو القدر المتيقّن من قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « حكمي على الأوّلين حكمي على الآخرين » « 2 » هو أحكامه الخاصّة ، وإلّا فأحكام اللّه ليست حكمه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فما هو الصادر عنه بنحو الكلّي والحكومة باق لا يضمحلّ بموته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، مع أنّ سكوت الأئمّة الهداة البررة ، كاف لاستكشاف الخلافة الثابتة لهم من عصره صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؛ فلاحظ ، وتدبّر جيّدا .
مع أنّ الممكن استفادة تلك الحكومة من التوقيع الشريف من ناحيتين :
الأولى : من قوله عليه السّلام : « وأمّا الحوادث الواقعة » ، فإنّها ناظرة في العموم لو لم تكن منصرفة إلى الأمور السياسيّة الشخصيّة .
وتوهّم أنّ سبق السؤال في كلام إسحاق بن يعقوب يمنع عن فهم المعنى المقصود أصلا وعموما ، في غير محلّه بعد ما عرفت تمام التوقيع الشريف ؛ فإنّ من سائر فقراته يتّضح الأمر عند المنصف جدّا .
الثانية : قوله عليه السّلام : « فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه » فإنّ الحجّة - بمعناها اللغوي - ما يحتجّ به ، ولكنّها - بمعناها المصطلح - هو الذي فوّض إليه أمر المخلوقين ، فإذا قلنا في الشهادة « أشهد أنّ عليّا أمير المؤمنين حجّة اللّه » ، ليس معناه إلّا أنّه حجّة في جميع الأمور ، ولذلك يقال : « لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها » « 3 » .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 9 : 543 ، كتاب الخمس ، أبواب الأنفال ، الباب 4 .
( 2 ) . لم نعثر على هذه الرواية بعينها لاحظ الكافي 5 : 18 / 1 وفيه : « حكم اللّه عزّ وجلّ في الأوّلين والآخرين . . . سواء » ، وعوالي اللآلي 1 : 454 / 197 وفيه : « حكمي على الواحد حكمي على الجماعة » .
( 3 ) . بحار الأنوار 57 : 213 / 22 .