الجهة الثالثة : حول أنّ ضرائب الإسلام تستتبع الحكومة الإسلاميّة
قد اتّخذ الوالد المحقّق في هذا الميدان سبيلا آخر للاستدلال على أنّ الإسلام دين السياسة والحكومة ويحتاج إليها بالضرورة ، وإنكارها يرجع إلى دعوى منسوخيّة الإسلام ، بل هذا أسوأ حالا من النسخ . وقيل : إنّ من يدّعي ذلك كافر ويعدّ مرتدّا ، ويجب قتله ؛ لأنّه من الضروريات ومن الواضح أبديّة الإسلام وخاتميّة الرسول الأعظم الإسلامي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
وكان نظره في الاستدلال المذكور إلى أنّ اقتصاديّات الإسلام لا بدّ أن تؤدّي إلى الحكومة ؛ وذلك لأنّ وضع الأخماس والزكوات والخراجات على مختلف الأراضي ، لا يمكن أن يكون للصرف في احتياجات فقراء الملّة ؛ لعدم احتياجهم إلى تلك الضرائب العجيبة ، ولا سيّما الخمس ؛ فإنّه من أعظم الضرائب وأحسنها ، فلو كان ذلك لغرض إعاشة الفقير السيّد ، أو أبناء السبيل منهم ، أو اليتامى ، لكان يكفي خمس أحد الأسواق - كسوق بغداد - لذلك ، فمن التدبّر في هذا الأمر يظهر أنّ هذه الضرائب المختلفة ليست إلّا لتشكيل الحكومة ، كما يظهر من الأخبار الواردة في كتاب الخمس « 1 » .
وقد ذكرنا هناك أنّ الخمس ليس ملك الإمام ولا الجهات ، بل الخمس في يد الإمام عليه السّلام ، وهو أولى بالتصرّف ، وهكذا الفقيه ، وسهم السادات صندوق وضع لمعاش فقرائهم ، وإذا فضل يردّ إلى الحاكم ، كما في الرواية « 2 » .
فبالجملة : يحصل للفقيه الناظر في أطراف المسألة أنّ أخذ هذه الضرائب على الوجه الصحيح ، لا يعقل إلّا بانضمام الحكومة المبسوطة اليد القادرة على الأخذ والصرف ، فتلك الحكومة تارة تكون لغير الفقهاء ، فيرجعون إليهم في أمورهم ، ويخيّرونهم في مسائلهم ، وهذا عندنا غير صحيح ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى ضعفها بين الآحاد ، ولا بدّ وأن تكون الحكومة المركزيّة قويّة .
هامش
( 1 ) . وسائل الشيعة 9 : 509 - 521 ، كتاب الخمس ، أبواب قسمة الخمس ، الباب 1 و 2 و 3 .
( 2 ) . الكافي 1 : 453 / 4 ؛ وسائل الشيعة 9 : 520 ، كتاب الخمس ، أبواب قسمة الخمس ، ب 3 ح 1 .