الكافي في هذه المقامات ، وإلّا لانسدّ باب العلمي بالضرورة ، فلا تخلط .
وأمّا دلالتها ، فهي عند المنصف الخبير من الواضحات الباهرات ؛ ضرورة أنّ الأمّة تحتاج إلى القيمومة والرئاسة في الأدوار المختلفة والتحوّلات الجزئيّة والكلّية ، وهذه الحاجة باقية ببقاء احتياجهم إلى النظام السياسي ؛ حتّى لا يلزم ما لا يجوز عند كافّة العقول ، وهو الاختلال والهرج والمرج .
وبديهة العقل حاكمة بأنّ الرضا عليه السّلام لا يكون في مقام إفادة الاحتياج إلى عصر الغيبة ، لا يريد إثبات أنّ الإمام الغائب - عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف - هو الرئيس القيّم مع كونه عليه السّلام بعيدا عن الأمّة ، فينحصر بالوجه الآخر ، وهو تكفّل الآخرين زعامة الأمّة الإسلاميّة ، والقدر المتيقّن منه هو الفقيه العادل البصير الخبير ، الجامع بين شتات الأمور الدينيّة والدنيويّة ، العاقل الرشيد ، وسيظهر وجه هذه القيود إن شاء اللّه تعالى .
ثمّ إنّ في كثير من خطب نهج البلاغة ما يؤيّد مرامنا ، ويسلك سبيلنا ، فنهتدي به ، ولا بأس بالإشارة إلى بعض منها :
اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطّلة من حدودك .
اللّهمّ إنّي أوّل من أناب وسمع وأجاب ، لم يسبقني إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالصلاة ، وقد علمتم أنّه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام إمامة المسلمين البخيل ، فتكون في أموالهم نهمته ، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله ، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه ، ولا الخائف للدول فيتّخذ قوما دون قوم ، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ، ويقف بينها دون المقاطع ، ولا المعطّل للسنّة فيهلك الأمّة . . . « 1 » .
أفتقنع بأن تقول : هذه العبائر تختصّ بالحكومة الموقّتة الإسلاميّة خمس سنوات ، أو بالحكومة المغصوبة خمسين ومائتي سنة ، أم هذه العبائر ترمز وتشعر بمقاصد الإسلام وآمال زعمائه الأبديّة .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، تنظيم د . صبحي الصالح : 189 ، الخطبة 131 .