تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في ولاية الفقيه — صفحة 723

مساهمون:

ص٧٢٣
والرئيس والسائس بين العباد ؛ لصون البلاد عن الفساد ، وإلّا فيحتاج البشر إلى رسول آخر يتكفّل أمر معاشهم ومعادهم فيما يحتاجون إليه حسب شرائط الحياة في الأزمنة الآتية ، كما نجد اختلاف الأمم في ذلك من حيث رقي الشؤون الدنيويّة والمظاهر المادّيّة ، فلا نحتاج بعد ذلك إلى إقامة البراهين العقليّة والنقليّة حول المسألة . ولكن لمّا كان الناس والفقهاء مختلفي الفهم والإدراك ، فكم من فقيه جامع لعلوم القرآن ، ولا يدرك حقيقة الإسلام ، وكم من رجل لا يعلم اجتهادا مسألة من المسائل الشرعيّة ولكنّ اللّه فتح قلبه لإدراك لزوم مثل تلك الحكومة في الأديان ، وإلّا فيصبح الديانة مغفولة ، وتصير من الأمور التشريفاتيّة ، كما نجد ذلك في بلاط روحانيي المسيح وفي كليسا وغيره ، وما هذا إلّا لإيجاد الخلل والفصل بين الدين والدنيا ، ولكن كما أنّ لفظتي الدين والدنيا متقاربتان جدّا ، كذلك هما في هذه النشأة قريبان متشابكان متداخلان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر . وهذا لا ينافي ضدّيّة الإسلام مع مظاهر الدنيا ، لما رأينا أنّ رئيس هذه الحكومة ، وهو الرسول الأعظم والأمير المعظّم ، كانا يرأسان ويتصدّيان لأمر السياسة في البلاد والحكومة على العباد ، ولكنّهما معرضان عن الدنيا أشدّ الإعراض ، وكانا في غاية الانزجار ونهاية التنفّر عن شؤونها والإقبال إليها ، فإذا كان رئيس الحكومة على مثالهما ، يتمكّن من أن يتقدّم في أمر المملكة وبسطها بمدّة قصيرة وعدّة يسيرة . وإنّما كانوا في صدر الإسلام بسطوا الديانة في كافّة أقطار العالم ، حتّى وصلت صولتهم إلى مضيق جبل طارق ، فأصبح الإسلام في القارّات الثلاث المعروفة في ذلك العصر : القارّة الأروبيّة والإفريقيّة وآسيا ، فهل حدث هذا إلّا لما كان رئيس الإسلام والحكومة يعيش على الإقتار والتقتير ، ولا يعيش كعيش المسرفين والمترفين والمبذّرين وكأهل الدنيا والشهوات ، ولا يمضي عليه ساعة إلّا وهو فيها يهتمّ بأمور المسلمين والإسلام ، فإذا كانت وجهة النظر إلى هؤلاء الأعاظم ، فلا يتمكّن البشر عن التخطّى عن هذه السيرة والطريقة . فبالجملة : أصل لزوم هذه الحكومة ، واحتياج الإنسان المطبوع على التمدّن إلى التشكيلات بعرضها العريض حسب الاحتياجات ، ممّا لا ريب فيه ولا شبهة تعتريه ،