من التوجيه إلى الدنيا ؛ لعدم احتياج البشر الشيطاني المادّي - بالطبع والطبيعة - إلى توجيهات مادّية ، ويكفي للتوجّهات الدنيويّة ، الغرائز والقوى المودوعة في جبلّتهم وسجيّتهم ، فالآخرة أحوج إلى المنبّهات والموجّهات قطعا وطبعا .
الرسول الأعظم كان متكفّلا لجميع الأمور برمّتها
ولكنّ ليس هذا يرجع إلى أنّه غير قابل لأن يتصدّى العائلة البشريّة - في أمر دنياهم وما يحتاجون إليه - لتشكيل الحكومة والنظام العسكري والبلدي ، أو غير مأمورين بذلك ؛ حتّى يتوهّم أنّ اللازم من ذلك ما يتوقّف عليه الهداية إلى دار الآخرة .
وبعبارة أخرى : أنّ الزعامة وتشكيل الحكومة كان لبسط الإسلام وتعريفه إلى المجتمع في ذلك اليوم ، وإصغاء الآخرين إلى يوم القيامة ، حتّى لا يزول بزوال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فهو صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد تكفّل بهذه الأمور السياسيّة لحفظ الديانة من الاندراس ، ولو كان الإسلام يمشي في البلاد بموافقة ملوك الأمصار ، لما كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ينظّم الحكومة ويشكّل الزعامة والسلطنة ، فإنّ هذا التوهّم باطل غير سديد جدّا ؛ لما نجد في القوانين الإسلاميّة ما يفي بسعادة البشر في جميع شؤونه وفي كافّة أموره ؛ ضرورة أنّ الإسلام له قوانين في شتّى المراحل والمنازل ، وفي مختلف الجهات المرتبطة بالأفراد والآحاد وبالمجتمعات والجماعات ، فلا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا وقد أحصاها ، فهو دين الدنيا والآخرة .
وليس كلمة الدين - كما يتبادر منه بدوا - ما كان يوجّه البشر إلى الآخرة محضا ، بل الدين هي السياسة العظمى الكافلة لجميع أنحاء السعادات الجزئيّة والكلّيّة ، الدنيويّة والأخرويّة ، ولذلك نجد أنّ الإسلام جامع شتات المسائل الروحيّة والمادّيّة والفرديّة والاجتماعيّة ، بخلاف سائر القوانين والملل ؛ فإنّ قوانينهم الأساسيّة قاصرة عن الأحكام الفرديّة والروحيّة ، بل هي قواصر حتّى في أمور دنياهم ، والتفصيل يطلب من مواقف أخر .