ومن المعلوم أنّه لا فرق فيما ذكرناه من عدم جواز التّصرف في الأراضي الموات إلّا بإذن الإمام عليه السّلام بين القول بأنّها ملك لمنصب الإمامة ، فيكون شخص الإمام وليّا على التّصرف لا محالة ، أو قلنا بأنّها كأملاكه الشخصيّة ، أو قلنا بعدم الملكيّة رأسا ، وإنّ الإمام عليه السّلام له الولاية على الأنفال . كما أنّه لا فرق في ذلك بين القول بأنّ الإحياء يكون مملّكا لرقبة الأرض كما هو ظاهر الكلمات المتقدمة ، أو موجبا لملكية التصرفات ، إذ على جميع التقادير المذكورة تكون السلطة التامّة له عليه السّلام ولا يجوز لأحد التّصرف فيما تحت ولايته إلّا بإذنه .
ولا يخفى أنّ ضرورة الاستيذان للتصرف في الأراضي العامة ثابتة في جميع الدّول والحكومات على اختلاف مسالكها في الشؤون الاقتصادية ، فإنّهم لا يسمحون لأحد من أفراد الشعب أن يتصرّف في الأراضي العامّة بما يشاء ، وكيف يشاء ، بل لا بدّ وأن يراجع مراكز السلطة ويحصّل على موافقة الحكومة ، والحكومة الإسلاميّة وفي رأسها الإمام المعصوم عليه السّلام لم يشذّ عن هذه القاعدة العامّة ، حفظا للنظم الاقتصادي .
دور الفقهاء في الإذن في الإحياء
هذا إذا أمكن تحصيل الإذن من الأئمّة عليهم السّلام في زمن الحضور ، أو استمرّ إذنهم إلى زمن الغيبة إلى يوم الظهور بحسب الروايات الواصلة إلينا ، كما هو الحقّ وستعرفه . وأمّا إذا لم يثبت إذنهم عليهم السّلام على وجه الاستمرار إلى زمن الغيبة ، فلا بدّ من الرجوع إلى نائب الغيبة جزما ، سواء قلنا بثبوت الولاية العامّة للفقيه الجامع للشرائط وكان له ما للإمام عليه السّلام من ناحية الحكومة الإسلاميّة وإدارة شؤونها ، تحفّظا على النظام الإسلامي بما أمكن ، أو لم نقل بذلك ، وحصرنا ولايته في الأمور الحسبيّة ، وذلك لأن مورد البحث أعني إحياء الأراضي الموات بالزرع والبناء ونحو ذلك تكون من الأمور الضروريّة الّتي لا بدّ منها في كلّ عصر وزمان ، لتوقّف نظام الحياة البشرية على ذلك ، وإلّا لاختلّ أمر معاشهم ومسكنهم ، لا سيّما