والصحيح أن يقال : إنّ « الفيء » في الآيتين بمعنى واحد ، وهو ما لا حرب في أخذه ، كما هو صريح الأولى ، ودلّت الأولى أيضا صريحا على أنّ السلطة على هذه الأموال للرسول صلّى اللّه عليه وآله بقوله تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ
لأنّ المسلمين لم يهرقوا في سبيله دما .
وأما الثانية فقد بيّنت وأوضحت مصرف هذا « الفيء » وأنّه يصرف في هذه الموارد الستّة ؛ لأنّها أحسن موارد صرف الأموال العامّة ، فيصرف سهم في سبيل اللّه وسهم للرسول صلّى اللّه عليه وآله إلى آخر السهام المذكورة . وهذا لا ينافي أن تكون السلطة التامة للرسول صلّى اللّه عليه وآله لأنّه ولي الأمر ، يضع الأموال الحكوميّة حيث يجب ، كما في كثير من الروايات « 1 » ، لأنّ استحقاق الصرف لا ينافي منع الصرف لمانع أهمّ ، إذ لا يجب الاستيعاب في الأسهم الستّة ، كما ذكرنا في تقسيم الخمس إلى السهام الستة .
فإذا لا بدّ وأن تحمل « اللام » في قوله تعالى :
فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى
على الصرف - كما يقال هذا الماء للشرب - دون الملك ، بقرينة ما في الآية الأولى من أنّ السلطة للرسول صلّى اللّه عليه وآله .
ويؤيّد ما ذكرناه الآية الثالثة قوله تعالى :
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ . . .
فإنّه لا كلام بينهم في أنّ « الفقراء المهاجرين » ليس لهم حصّة خاصّة من الأنفال أو الغنائم الحربيّة بما لهم من العنوان الخاصّ ، أعني « الهجرة » .
وليسوا إلّا من أوضح مصاديق الفقراء ، وأحسنها ، إلّا أنّه خصّهم اللّه تعالى بالذكر في الآية الثالثة تكريما لهم وأنّهم فقراء
أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
فهؤلاء أولى من غيرهم في صرف « الفيء » عليهم ، وإن كان المالك الأصلي وهو الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه وآله مختارا في ذلك ، لأنّ السلطة له .
هامش
( 1 ) لاحظها في الوسائل 9 : 523 ، الباب الأول من الأنفال .