فنزلت آية الأنفال ودلّت على أنّ الغنائم الّتي هي من الأنفال « 1 » وكذا سائر الأموال الزائدة كلّها تكون للّه وللرسول ، لا يملكها أحد من المقاتلين ولا غيرهم ، وقسّم النّبي صلّى اللّه عليه وآله الغنائم بينهم بالسويّة ، تقسيم المالك لماله على موارد الصرف .
ثم نزلت آية الخمس تدلّ على استثناء مقدار الخمس من الغنائم يبقى للّه ورسوله وقبيلهما ، ثمّ يقسّم الباقي بين المقاتلين .
فالنتيجة أنّ آية الأنفال لا تكون ناسخة لآية تحليل أكل الغنائم ، وإنّما تبيّن معناها بأنّ المراد من قوله تعالى :
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ
هو جواز التصرف والانتفاع لها ، لا الملك . وإنّما الملك للّه وللرسول .
كما ظهر أيضا أنّ آية الخمس لا تكون ناسخة لآية الأنفال - كما توهّم « 2 » - بدعوى دلالتها على أنّ خمس الغنيمة للّه وللرسول ، والباقي يكون للمقاتلين ، وهذا ينافي كون جميع الأنفال الّتي منها الغنائم للّه وللرسول ؛ لأنّ المقاتلين ليسوا بمالكين ، وإنّما هم موارد الصرف للغنيمة ، ولا تنافي بين كون أصل الملك للّه والرسول ، وأمّا المقاتلون فهم موارد للصرف عليهم ، بعد استثناء مقدار الخمس إبقاء لملك اللّه تعالى ورسوله وقبيلهما على حاله فيه ، هذا « 3 » .
ويمكن أن يقال : إنّ إطلاق الأنفال على الغنائم في آية الأنفال إنّما هو بلحاظ أنّ أمرها بيد الرسول صلّى اللّه عليه وآله لا أنّها ملكه ، فله أن ينفل منها ما يشاء ، ويصرف منها ما يشاء فيما يحتاج إليه . ثمّ بعد ذلك يخرج خمسها ويقسّم الباقي
هامش
( 1 ) لصدق المال الزائد عليها أيضا ؛ لأنّها زيادات لا مالك لها من بين الناس .
( 2 ) كما أشار إليه في الميزان 9 : 7 .
( 3 ) هذا محصل ما أفاده في تفسير الميزان 9 : 4 - 7 وللمفسّرين أقاويل مختلفة في هذا المجال تعلم بالرجوع إلى مطولات التفاسير ، راجع تفسير مجمع البيان 3 - 4 : 517 ، والتفسير الكبير 15 : 115 وتفسير الآلوسي .
وقال صاحب الميزان في 9 : 4 : « قيل : أنّ المراد بالأنفال غنائم الحرب ، وقيل : غنائم غزوة بدر خاصة ، بجعل اللام في الأنفال للعهد ، وقيل : الفيء الذي للّه والرسول والإمام ، وقيل : أنّ الآية منسوخة بآية الخمس ، وقيل : بل محكمة . . . » .