تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
هامش
الإسلامية بالتسامح مع غير المسلمين . ويؤكّد الإمام بهذا الخصوص على أنّ التسامح أصبح سمة سائدة في الحضارة الإسلامية حتّى العصور الحديثة ، ومن هنا كان الإمام من أنصار الوحدة الوطنية وعدم جعل الدين سبباً في تفتيت هذه الوحدة ، ويتّضح من كتاباته أنّه تحدّث عن الوطنية بعيداً عن إثارة التعصّب الديني ، وردوده على فرح أنطون وعلاقته بالحزب الوطني الأهلي الذي تشكّل نتيجة اتّصال تنظيم الجيش وجمعية حلوان عام 1879 من الشواهد على ذلك . لقد أوضح الإمام أنّ الإسلام لم يضطهد غير المؤمنين به من المسيحيّين في البلدان التي فتحها ، ورغم أنّه دين جهاد وشرّع فيه القتال ، فقد كان ذلك بقصد منع الفتنة . وأكّد على أنّه لم تقع حرب إسلامية بقصد الإبادة ، مثلما حدث على أيدي المسيحيّين . وقد برّر مسألة الجزية بأنّها بقصد العون على صيانة من يدفعونها ، والمحافظة على أمنهم ، ثمّ هي قدر من المال أقلّ ممّا كانوا يدفعونه من قبل الفتح الإسلامي . وفي مقابل هذا فإنّه لأبناء هذه البلدان حقّ ممارسة عقيدتهم بحرّية ، والتمتّع بحقوقهم الخاصّة حتّى أنّ الزوجة الكتابية من حقّها التمتّع بالبقاء على دينها والقيام بفروض عبادتها . أمّا علاقته ب « الحزب الوطني » فإنّه يستدلّ عليها أساساً من واقع قربه من رجال الثورة العرابية ، وإسهامه في تبنّي بعض أفكارها ، خاصّة فيما يتعلّق بتهيئة مجموع المصريّين ضدّ قوى التدخّل الأجنبي ، والدعوة للحياة النيابة والدستورية . ونظراً لقلّة المصادر التي تثبت له القيام بدور مباشر وقوي داخل هذا الحزب ، فإنّ ما يمكن قوله هو : أنّ موقف الإمام الوطني كان قريباً من اتّجاهات الحزب ، وأنّه كان يوافق أعضاءه على الكثير من الآراء والأفكار الخاصّة بالوحدة الوطنية . وربّما ما ورد بصدد هذه المسألة في برنامج الحزب يؤكّد أنّ من وضعوا هذا البرنامج كانوا قد استشاروا أو اهتدوا برأي الإمام باعتباره شيخاً مستنيراً من شيوخ الأزهر وأحد أقطاب الحركة السياسية الوطنية آنذاك . ففي المادّة الخامسة من هذا البرنامج ورد نصّ يقول : « الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني ، فإنّه مؤلّف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب ، وجميع النصارى واليهود وكلّ من يحرث أرض مصر ويتكلّم لغتها منضمّ إليه ؛ لأنّه لا ينظر لاختلاف المعتقدات ، ويعلم أنّ الجميع أُخوان ، وأنّ حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية . وهذا مسلّم به عند أخصّ مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أنّ الشريعة المحمّدية الحقّة تنهى عن البغضاء وتعتبر الناس في -