تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
هامش
والطريق إلى ذلك . ويمكن التدليل على دعوته إلى مدنية السلطة السياسية بالنظر إلى آرائه حول الفتوحات الإسلامية والعمل الوطني . فأمّا الفتوحات الإسلامية فقد رأى أنّها تمت بغرض الملك ولتقوية الدولة الإسلامية ، أي : أعمال سياسية حربية تتعلّق بضرورات الملك ومقتضيات السياسة ، ولم تكن بقصد نشر الدين الإسلامي ، خاصّة وأنّه استقرّ آنذاك في أماكن كثيرة خارج الجزيرة العربية ، « لقد شهر المسلمون سيوفهم دفاعاً عن أنفسهم وكفّاً للعدوان عنهم ، ثمّ كان الفتح بعد ذلك من ضرورة الملك » . وهذه المرحلة التي أخذ فيها الإسلام شكل الانتشار السياسي هي التي تلت موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بل إنّها بدأت قبل وفاته منذ أن انتقل إلى مكّة ، واستمرّت حتّى عام 750 ميلادية ، وهي مرحلة بناء الدولة ، والتي أثارت مشكلات جديدة ، مثل : كيفية استيعاب القوى والأنظمة الجديدة ، وكيف يأخذ الإسلام شكل الحضارة الكبيرة ، ودخل المسلمون في علاقات جديدة ومتناقضة أيضاً مع الحياة التي اعتادوا عليها منذ نزول الوحي حتّى وفاة الرسول . ومنذ أن بدأ الخوض في هذه المرحلة ظهر الصراع بين الفرق الإسلامية ، وتباينت وجهات النظر حول الأخذ بالنظم غير الإسلامية ، ولكن الصراع لم يؤدّ إلى حروب دينية ، ولم يكن مبعثه التعصّب الديني والمذهبي ، « فلم يسمع في تاريخ المسلمين بقتال وقع بين السلفيّين والأشاعرة مع الاختلاف العظيم بينهما ، ولا بين هذين الفريقين من أهل السنّة سلفيّين وأشاعرة ، كما لم يسمع بأنّ الفلاسفة الإسلاميّين تألّفت لهم طائفة وقع الحرب بينها وبين غيرها . نعم ، سمع بحروب الخوارج ، كما وقع بين القرامطة وغيرهم ، وهذه الحروب لم يكن مثيرها الخلاف في العقائد ، وإنّما أشعلتها الآراء السياسية في طريقة حكم الأُمّة ، ولم يقتتل هؤلاء مع الخلفاء لأجل أن ينصروا عقيدة ، ولكن لأجل أن يغيّروا شكل حكومة ، وما كان من حرب الأُمويّين والهاشميّين فهي حرب على الخلافة ، وهي بالسياسة أشبه ، بل هي أصل السياسة » . وأكسبت تلك الفتوحات والصراعات الحكومة الإسلامية الطابع المدني ، وجعلت الحكم مستنداً على ما من شأنه حماية مصالح الأُمّة الدنيوية ونموّها والحفاظ على قوّتها ، وهو تطوّر طبيعي بعد استقرار الدعوة الدينية . وحتمت هذه والاعتبارات السياسية السابق الإشارة إليها ضرورة تمسّك سياسة الفتوحات -
الشيخ محمد عبده — صفحة 56 | محمد پور صباغ / مهدي أحمدي