هامش
المعاملة سواء » . ففي هذه المادّة دعوة لتجاوز التعصّب الديني ، واتّجاه نحو وحدة أقباط مصر ومسلميها لتحقيق غاية أكبر وأسمى هي الوحدة الوطنية ، بمعنى آخر : تعني أنّ الولاء الوطني يأتي في المرتبة الأُولى ، وكأنّ قوّته هي التي تستحقّ قوّة الحفاظ على العقيدة . وإذا ما أُخذت في الاعتبار ظروف الاحتلال لاتّضحت أهمية ما يقدّمه هذا الموقف الفكري للحركة الوطنية من مساندة وتعزيز ضدّ حلقات الاحتلال .
امتداداً لهذا الموقف حذّر الإمام ممّا وقع في عام 1888 وقت اشتعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيّين بسبب تصرّفات وكيل الحقّانية بطرس غالي ، وشكري شفيق بك منصور أحد موظّفي الحقّانية . . . وكتب الإمام في ذلك الوقت في مجلّة « ثمرات الفنون » البيروتية ، العدد : 658 ، عام 1888 : « إن أخطأ واحد من أبناء طائفة وطنية معيّنة يجب ألّا تنسحب على كلّ الطائفة ، إلّالو كانت طائفة أجنبية محتلّة ودخيلة على الوطن » ، وحذّر الصحف التي كانت تريد استثمار هذه الواقعة من أنّها إنّما تسعى إلى بثّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد ليضعفوا أمام المحتلّ ، وطالب بأن تعالج مثل هذه الموضوعات على وجهها السليم ببيان الحقائق ووضع الأُمور في نصابها .
ثالثاً : الوظيفة الدينية للسلطة المدنية :
إذا كان الإمام قد نفى وجود سلطة دينية في الإسلام وأقرّ الطبيعة المدنية للسلطة السياسية ، فإنّ ذلك لا يعني إقرار الفصل المطلق بين اعتبارات العقيدة واعتبارات السلطة المدنية ، فهو كغيره من المفكّرين الإسلاميّين رأى أنّ الإسلام يجمع بين شؤون الدين والدنيا معاً ، « فالإسلام دين وشرع ، وضع حدوداً ورسم حقوقاً ، والحاكم يجب أن يقيم العدل الذي يطالبه به الدين والأُمّة معاً ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فإذا فارق الكتاب والسنّة في عمله وجب على الأُمّة أن تستبدل به غيره ، ما لم يكن في استبداله مفسدة تفوق المصلحة فيه » .
ويعتقد عبده أنّ تنفيذ الواجبات التي جاءت بها الرسالة أو تطبيق الشريعة على وجه العموم يأخذ الطابع المدني ، وأنّ هذا الطابع يصبغ كافّة مؤسّسات الدولة ، حتّى أنّ الحاكم هو الذي يعيّن ويعزل أصحاب الوظائف الدينية ، على أن يجري ذلك في إطار الحفاظ على الدين والشريعة .
ففي حديثه عن « السلطان » يبدو وكأنّه يقرّر أنّ واجبات الحاكم فرضها عليه الدين ، ويجعل -