هامش
السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها هو أصل من أُصول الإسلام ، وقد هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها ، ولم يدع لأحد بعد اللَّه ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه ، ولكلّ مسلم أن يفهم عن اللَّه من كتاب اللَّه وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسّط أحد من سلف ولا خلف ، وليس في الإسلام ما يسمّى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه » .
في هذا الذكر ينفي الإمام استغلال الدين كأداة للإكراه على اعتناق عقيدة معيّنة ، كما ينفي أيضاً وجود أيّة حقوق لرجال الدين بحكم أنّهم العارفون بأُصول العقيدة ، « فليس في الإسلام سوى سلطة الموعظة الحسنة ، والدعوة إلى الخير ، والتنفير من الشرّ ، وهي سلطة خوّلها اللَّه لأدنى المسلمين ، يقرع بها أنف أعلاهم ، كما خوّلها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم » .
والإسلام في رأيه لم يعرف هيئة دينية ذات سلطات كتلك التي وجدت في عهود سيطرة الكنيسة المسيحية على المجتمع الغربي ، ويقصد أنّ المفتي أو القاضي أو شيخ الإسلام والهيئات التي تتبعهم ليس لها سلطان ديني على الناس إلّاالتوجيه والإرشاد ، « فكلّ سلطة تناولها واحد من هؤلاء هي سلطة مدنية قرّرها الشرع الإسلامي ، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدّعي حقّ السيطرة على إيمان أحد ، أو عبادته لربّه ، أو ينازعه في طريق نظره » .
ثانياً : الإسلام والسلطة المدنية :
وإذا كان الإمام قد نفى أيّة حقوق يرتّبها الإسلام للقائمين على أُموره ، ونفى وجود السلطة الدينية بأيّ صورة من الصور ، فإنّ هذا ينسحب منطقياً على السلطة السياسية ، بمعنى : أنّها سلطة تصبح قائمة أساساً على الاعتبارات الدنيوية ، وليس لها سند ديني . فالإسلام يحدّد أنّ الأُمّة هي مصدر سلطة الحاكم ، وذلك أنّ الأُمّة هي التي تنصبه وصاحبة الحقّ في السيطرة عليه ، والتي تقوّمه على حكم شؤونها إن رأت ذلك من مصلحتها ، « فهو حاكم مدني من جميع الوجوه ، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسمّيه الإفرنج : ( تيوكراتك ) ، أي : سلطان إلهي ، فإنّ ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقّي الشريعة عن اللَّه ، وله حقّ الإثرة بالتشريع ، وله في رقاب الناس حقّ الطاعة » .
وما يدعو لأن تكون السلطة مدنية في رأيه هو أنّ الحاكم قائم لمصلحة البشر ولمراعاة أحوالهم المتغيّرة والمتطوّرة ، والأُمّة في مجموعها هي التي تستطيع أن تقرّر مصلحتها -