تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
هامش
ومن زاوية أُخرى يؤكّد أنّ العقل بقوانينه يستطيع أن يثبت حقيقة النبوّة استناداً إلى أكثر من مؤشّر ، مثل : اقتناع النبي برسالته ، وتواتر قبولها ، والمعجزات التي قدّمها . وبعد ذلك عليه أن يتوقّف ، وأن يؤمن بكلّ ما جاء في القرآن ، وبأنّه احتوى على رسالة إلهية . ونستطيع من خلال ما تقدّم ذكره أن نتوصّل إلى أنّ الإمام خلص إلى استنتاج مؤدّاه أنّ هناك منطقتين : الأُولى : منطقة يعمل العقل فيها بغير حدود ، الثانية : منطقة الشريعة ، وتخضع فيها تصوّرات المرء لمبادئها وأُسسها ، « فالإسلام جاء ليطلق سلطان العقل من كلّ قيوده ، ويعمل في مملكته بحكمته ، مع الخضوع في ذلك للَّه‌وحده والوقوف عند شريعته » . أي : أنّ منطقة العقل تقاس على حسب منطقة الشريعة . وحدّد وظيفة كليهما في « أنّ الدين من خلال منطقة الشريعة يكشف الشكّ الذي قد يحيط بالعقل ، والعقل يستطيع تصريف حاسّة الدين فيما منحت لأجله والإذعان لما تقرّره من معتقدات وأعمال » . ثالثاً : أدوات للربط بين الإسلام والعصر : وأكّد الإمام - كما أشرنا سالفاً - على أنّ الإسلام يحتوي على مبادئ المدنية الحديثة ، وأنّه سعى إلى خلق روابط قوية بين الاثنين . وفي محاولته هذه أخذ يعتمد على أدوات ومفاهيم ، مثل : المنفعة ، والمصلحة ، والضرورة . كما استند إلى أفكار ، مثل : التوفيق ، والتلفيق ، والتأويل . وبهذا تمكّن من إقامة الصلة بين العلم والدين والدعوة إلى أنّ الدين يقرّ القوانين العلمية ، بل يحتوي عليها في كثير من الأحيان . يبدأ الإمام بأن يزيل الفجوة بين الإسلام والمدنية الحديثة ، فيدافع عن الإسلام بأنّه دين العقل والعلم ، وأنّ العلماء كانوا يحظون بمراتب مرموقة في الدول الإسلامية ، وذلك أنّ فترات الإسلام الأُولى شهدت نشاطاً علمياً واضحاً من جانب الدولة الإسلامية . فبعد أن استقرّت الدولة لبني العبّاس في نهاية الثلث الأوّل من القرن الثاني الهجري نقل المنصور عاصمة الملك إلى بغداد ، فصارت عاصمة العلم والمدنية ، وأخذ ينشئ المدارس للطبّ والشريعة ، بل إنّه عندما انقسمت الممالك الإسلامية بعد ذلك بقرون وتنازعت الخلافة ثلاث شيع ، فكان العبّاسيّون في الشرق ، والأُمويّون في الغرب ( الأندلس ) ، والفاطميّون في مصر ، لم يكن التنافس بينهم على السلطان فقط ، بل كان في العلم والأدب أيضاً . ورأى الإمام أنّ الفترات التي كان فيها فهم الدين الإسلامي قائماً على العقل والاجتهاد والتبصّر هي نفس الفترات التي نشط فيها المسلمون في العلوم الطبيعية . ومن ذلك انتهى إلى -