تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
هامش
الاختلاف أو تضييقها والتقريب بين أوجه الالتقاء بينها ، واضطرّ أيضاً إلى استخدام التلفيق في استنباط الأحكام القانونية من مختلف المذاهب الفقهية ، ووضح ذلك من خلال عمله كقاضي وكمفتي لمصر ، ومن خلال ما كتبه عن كيفية استخراج الأحكام الشرعية ، حيث أعطى للقاضي حرّية اللجوء إلى نصوص متنوّعة ليكوّن منها حججاً مقنعة تؤكّد حكمه . وما يفعل ذلك إلّابغرض تحقيق مصلحة المسلمين ، والتسهيل عليهم في أُمور معاشهم ، وتطوير أساليب تنفيذ الشريعة . ويرى البعض أنّ ما قام به الإمام ليس تلفيقاً ، وإنّما هو انتقاء للأفضل ، فقد كان يسعى إلى أبسط السبل التي تسهّل وصول التعاليم الإلهية إلى عقول المسلمين من ناحية ، والتمكّن من تنفيذ هذه التعاليم على ظهر الواقع دون الإخلال بجوهرها من ناحية أُخرى . وفي ختام هذا الباب يتّضح من عرض الإطار الاجتماعي والفكري أنّ ظروف العصر الذي عاش فيه الإمام وضعت الفكر الديني الإسلامي في تحدّ جديد ، هو كيف يواجه المؤثّرات الغربية الفكرية والسياسية ؟ وكيف يتواءم مع الظروف الجديدة ؟ وعلى ذلك كان الفكر الديني الإسلامي محوراً أساسياً من محاور النشاط العامّ في المجتمع سياسياً واجتماعياً ؛ لعدّة أسباب : أوّلها : أنّ النظام السياسي كان يستلهم جانباً كبيراً من أفكاره ومبادئه من الفكر الإسلامي . وثانيها : أنّ الكثيرين من رجال الدين وعلماء الأزهر لعبوا دوراً مباشراً في الأحداث . وثالثها : أنّه على ضوء نتائج التحدّي الذي واجه الفكر الديني الإسلامي تحدّدت إلى حدّ كبير المسارات السياسية والفكرية للمجتمع المصري فيما أعقب ذلك من سنوات . وهكذا يتّضح أنّ نشأة الإمام وثقافته ودوره في الأحداث السياسية واتّجاهه وميله الفكري كانت كلّها تدفع به إلى أن يكون واحداً من أبرز من تصدّوا لمشكلة ذلك العصر ، مشكلة المواجهة بين الإسلام والحضارة الحديثة ، أو بمعنى أكثر تخصيصاً : مشكلة البحث عن الأفكار والقيم التي تتلائم مع النظام السياسي الجديد ، وفي هذا كان الإمام مفكّراً سياسياً له آراؤه في شكل الحكم ومقوّماته وفي المسألة الوطنية . ويمكن القول : إنّ مداخل فكره السياسي تتحدّد في تجديد وإصلاح الفكر الديني الإسلامي ، والاعتقاد بمحورية دور التربية في التغيّر السياسي ، وانتهاج الاعتدال والإصلاح كأُسلوب نحو هذا التغيّر . ( الفكر السياسي للإمام محمّد عبده : 98 - 131 ) .