هامش
ومن ثمّ كانت الغاية التي سعى إلى تحقيقها في تفسيره للقرآن هي أن يوضّح الهدف العملي لآياته ، وأن يقرّب ما تدعو إليه إلى ذهن المسلم العادي . ولذلك لم يهتم بالمعنى الحرفي أو اللفظي للآيات بقدر اهتمامه بما تعكس من حقائق وسبل تساعد المسلم العادي على السير في حياته المعيشية ، « فما يريده المسلمون هو فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة » .
وقد قسّم الأُمّة إلى فئتين من حيث تلقّي تفسير القرآن : الأُولى : هي الفئة الكبرى التي تحتاج إلى تفسير يهدف فقط إلى إعادة ثقتهم في دينهم ، والثانية : هي فئة المتخصّصين ، ويحتاجون إلى تفسير يهتمّ بفهم حقائق الألفاظ المفردة للقرآن والمعاني التي سادت وقت نزولها .
كما أنّه صنّف التفسير من حيث النوع إلى قسمين : الأوّل مرفوض ؛ لأنّه شكلي يهتمّ بفهم الألفاظ فقط ويتعمّد تعقيدها ، والثاني يستلهم الغاية العملية للقرآن والذهاب إلى فهم كلمة التشريع في العقائد والأخلاق والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح ويسوقها إلى العمل .
وهكذا اعتمد تفسيره على الفهم والإدراك البسيط للمعاني بالقدر الذي يشجّع المسلم بقدراته الذاتية على اتّباع ما تدعوا إليه التعاليم الإلهية دون الاستناد لرأي فقيه معيّن ، أي : هو نهج قائم على التدبير في المعاني .
ولقد لجأ إليه اتّساقاً مع الأهداف التي تصوّرها ، ومع نظرته لأحوال المسلمين في عصره الذين نظر إليهم نظرة إشفاق على عقيدتهم وأعمالهم . كما لجأ إليه للخلاص من العقبة الأساسية التي حالت دون إدراك المسلمين لفهم الدين الصحيح ، ألا وهي الجهل به ، حيث استطاعت المدارس الجامدة أن تقدّم علوم الكلام ( البيان والتفسير ) والعلوم المنطقية في صورة الأُمور التي تؤدّي إلى الكفر والضلالة .
وهناك من المظاهر الأُخرى ما يميّز تفسيره بالعقلانية ، مثل : الشمول ، والتناسق ، وتقديم الصور الكلّية للموضوعات ، واستخدام المقدّمات اليقينية ، واستنتاج المجهول منها ، وإبراز تنظيم الحياة الاجتماعية على أساس من هدي القرآن .
كما تبدو هذه النزعة العقلانية من تأكيده على أهمية بعض المبادئ والفرضيات الموضوعية ، فقد اعتمد على مبدأ الاجتهاد ، واستند إلى البديهيات والبراهين والأدلّة القطعية ، وأصرّ -