هامش
على معارضة المفهوم الذي طرحته المدارس التقليدية للإسلام ، ومضمونه أنّ الفقهاء وضعوا تصوّراً ثابتاً عن الشريعة والتعاليم الإلهية لا يجوز الخروج عنه ، ونادى بفهم إسلامي يقوم على الاجتهاد في تصوّر الأجزاء القابلة للتغيّر في الإسلام .
كما لم يعوّل كثيراً على مبدأ الإجماع اتّساقاً مع ما سبق من قوله : بأنّه لم يقيّد نفسه بتصوّرات سابقة للمدارس الإسلامية المختلفة ، وبأنّ تفكير الجماعة يتغيّر باختلاف العصور . وذلك ليحقّق لنفسه حرّية التفسير والفهم وفق متطلّبات العصر .
وأكّد الإمام محمّد عبده على أنّ كثيراً من الأُصول يمكن فهمها على أنّها بديهيات . واستخدم ذلك في « رسالة التوحيد » في إثبات ذات الوجود وصفات اللَّه وغيرها من الأُصول التي غرقت المدارس التقليدية في تقديم تفسيرات لفظية عديدة لها ، جعلت عقول المسلمين تتخبّط في إدراكها .
كما فضّل الاستناد إلى الحقائق الملموسة عن التصوّرات الغيبية في إثباته للتعاليم الإلهية . ومن ثمّ فهو يسوق البراهين والأدلّة التي يستوعبها العقل البشري .
ويلاحظ أنّ هذا الاتّجاه توافر عنده منذ فترات شبابه الأُولى ، فعندما كتب مقدّمته على « حاشية العقائد العضدية » نادى بتأسيس المرء لاعتقاده على البراهين الصحيحة ، ورأى أنّ المرء إذا انفصل باجتهاده إلى شيء ما ، ثمّ رجع إلى ما جاء من اللَّه ، فوجده بظاهره ملائماً لما حقّقه ، فإنّ ذلك يخلق لديه ثقة أكبر واطمئناناً إلى حكمه .
ج - حدود استخدام العقل :
مع أنّ الإمام قد أعطى الأهمية السالف الإشارة إليها للعقل ، إلّاأنّه وضع حدوداً يقف عندها . فهو يربط بين العقل والوحي والنبوّة ، « فالعقل يحتاج إلى معين يستعين به في تحديد أحكام الأعمال ، وتعيين الوجه في الاعتقاد بصفات الأُلوهية ، ومعرفة ما ينبغي أن يعرف من أحوال الآخرة ، وبالجملة يستعين بهذا المعين في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة . ولا يكون لهذا المعين سلطان على نفسه ، حتّى يكون من بني جنسه ، ليفهم منه أو عنه ما يقول ، وحتّى يكون ممتازاً على سائر الأفراد بأمر حقائق على ما عرف في العادة وما عرف في سنّة الخليقة ، ويكون بذلك مبرهناً على أنّه يتكلّم عن اللَّه الذي يعلم مصالح العباد على ما هي عليه ، ويعلم صفاته الكمالية وما ينبغي أن يعرف منها ، والحياة الآخرة وما أعدّ فيها ، فيكون الفهم عنه والثقة بأنّه يتكلّم عن العليم الخبير معيناً للعقل على ضبط ما تشتت عليه وعلى -