هامش
أنّ مبادئ الإسلام تتّفق مع نتائج البحث العلمي ، وذلك إذا فهمت المبادئ على حقيقتها . . .
ووصفت دراسة أُخرى موقف الإمام مع العلم الحديث بقولها : إنّ العلم الذي كان يقصده ليس هو العلم الطبيعي على وجه التحديد ، ولكن ما يسمّى الآن : بالعلوم الاجتماعية ، وأنّه تأثّر في ذلك بآراء هربرت سبنسر . وليحقّق ذلك كان عليه أن يحدث تطويراً في الرؤية التقليدية لإرادة اللَّه المطلقة بغية الوصول إلى مفهوم آخر يفسّر القوانين التي تحكم الطبيعة وتجعلها تسير وفق نظام دقيق ، واستطاع بذلك أن يضفي اعتبارات السببية العلمية على الوضع الإلهي لنظام الكون .
ومن الأدوات الأُخرى التي لجأ إليها الإمام حتّى يواكب الإسلام العصر إثارته لمبدأ المصلحة أو المنفعة . فقد رأى أنّ رفاهية وسعادة المسلمين هي الهدف الأساسي من التعاليم الإلهية ، ويجب تفسير النصوص بالنظر إلى هذا الهدف . وبالرغم من أنّ فكرة المصلحة ليست جديدة على الفكر الإسلامي ، إلّاأنّه استخدمها بصورة مغايرة ، فقد كانت قاعدة يستخدمها الفقهاء لتفسير النصّ وشرح الأحاديث وللتأكيد على أنّ هدف اللَّه من إرسال الرسل هو تدعيم الرفاهية الإنسانية وأنّ ما هو صالح لها يعتبر شرعاً ، ولكنّ الإمام يستخدمها كقاعدة للاستدلال على قوانين محدّدة من مبادئ عامّة تنظّم حياة المجتمع ، فأوضح أنّ الإنسان قادر على التمييز بين الخير والشرّ ، وأنّه يستطيع أن يحسم بنفسه المقصود بالسلوك الصحيح ، وذلك بتقدير رشيد للمنفعة العائدة عليه من سلوكه . وقد استطاع باستخدامه لكلمتي الخير والشرّ كتعبير عن القيمة أن يفهم الأخلاق استناداً إلى المبادئ العقلانية بشكل مطلق ، وأن يعيد الربط - بعد ذلك - بينها وبين الوحي ، بتوضيح : أنّ الوحي ليست مهمّته تحديد الخير والشرّ بصفة نهائية كما قال أصحاب الآراء التقليدية ، وإنّما مساعدة العقل الذي يعاني بطبعه من الشطط على اكتشاف سعادته وفقاً لمبدأ المنفعة .
وقد فرّق عبده بين المنفعة بالنسبة للجماعة والمنفعة بالنسبة للفرد ، فأمّا بالنسبة للجماعة فإنّ المنطلق الذي تصدر منه هو منطلق موضوعي يمكن استيعابه عقلياً ، أي : أنّ المظاهر الدالّة عليه واضحة وملموسة ، وتخلق وعياً عامّاً بين أفراد المجتمع ، على العكس بالنسبة للفرد الذي تصبح المنفعة بالنسبة له فكرة طبيعية ، وذلك لأنّه اكتشفها بملكاته الذاتية ، وخضوعه لها يعتبر عملًا عقائدياً طالما هو غير متأكّد من مقابلها المادّي . وعلى ذلك تصبح -