تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
هامش
وقد حظي العقل بهذا الاهتمام ؛ لأنّه في رأيه قوّة يتمتّع بها كلّ فرد سليم الحواسّ يعي ما حوله ، ويتميّز بالموضوعية ؛ لأنّها تقدّم براهين وأدلّة يقبلها الفرد عن ثقة . ويقوّي من هذا الاهتمام أنّه كان شديد التقدير لقيمة الإنسان وحرّيته في التفكّر ، واقتناعه بأنّ العقل هو جوهر هذه الحرّية . فهو يؤكّد على أنّ للإنسان حرّية كبرى في فهم ما حوله من قوانين الحياة البشرية ، وذلك لأنّ « الأفعال الإنسانية مختارة فيما أمرت به . وكما يشهد سليم العقل والحواسّ من نفسه أنّه موجود ، ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه ولا لعلم يرشده ، كذلك يشد أنّه مدرك لأعماله الاختيارية يزن نتائجها بعقله ويقدّرها بإرادته » . ويرى أنّ العلوم التي تبحث في بيان وتفسير الموضوعات الإلهية علوم عرفتها الأُمم من زمن ، ولكن أفضلها هو الذي احتكم إلى العقل ، حيث أخذ بالحجج والبراهين والأدلّة الدامغة ، فهو يذكر أنّ « علم تقرير العقائد كان معروفاً عند الأُمم قبل الإسلام . ولكن هذه الأُمم لم تعتمد على الدليل العقلي وبناء الآراء والعقائد على ما في طبيعة الوجود وما يشتمل عليه نظام الكون ، حتّى جاء الإسلام ، فأقام الدعوى ، واستنهض الفكر ، وخاطب العقل ، وحثّ أصحاب العقول على الإمعان في الكون حتّى توقن به إيقاناً كاملًا » . واللجوء إلى العقل هو من منطلق أنّه قوّة متطوّرة ، بمعنى : أنّه ليس من الصحيح الاعتماد على تفكير ساد في عصر ما للاسترشاد به في عصر لاحق له . ذلك أنّ تفسير القرآن في كلّ مرحلة من مراحل التطوّر يرتبط بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغها أبناؤه وتحصّلت لمجتمعاتهم وبيئاتهم الثقافية ، ومن ثمّ ليس بالضرورة أن يقف عقل المعاصرين عندما وصل إليه عقل من سبقوهم فقط . ب - مظاهر استخدام العقل : يعتبر الأُسلوب الذي اتّبعه في تفسير القرآن من أهمّ المظاهر على العقل . ويقصد بالتفسير في خطوطه العامّة البيان والتوضيح للألفاظ والمعاني التي وردت في القرآن ، ويختلف التفسير عن التأويل ، فالأخير محاولة فيها قدر أكبر من الاجتهاد ؛ لأنّها تتعلّق بأُمور يبدو فيها ظاهر الشرع صعب التطبيق . وبالرغم من كثرة التفسيرات فإنّ الإمام وجد أنّ أصحابها عقّدوا بها الدين أكثر ممّا بسّطوه على المسلمين ، واعتقد أنّ العقلية والرؤية التي تحكم ذهن المفسّر هي التي تحدّد قيمة تفسيره . -
الشيخ محمد عبده — صفحة 161 | محمد پور صباغ / مهدي أحمدي